الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ الآية، الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم. قال الليث: والشهر: ظهور الشيء، وسمي [[في (م): (ويسمى).]] الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به [[نقله عنه في "اللسان" 4/ 2351 (شهر).]]. وقال الزجاج: سمي الهلال شهرًا لشُهْرتِه وبيانه [[من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 259، ونقله عنه في "اللسان" 4/ 2351 (شهر).]]. وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة: يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ [[البيت في "ديوانه" ص 561، وورد في "البحر المحيط": نحيل.]] وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ. قال الفراء: ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا [[ينظر في معاني الشهر: "تفسير الطبري" 2/ 144، "تفسير الثعلبي" 2/ 264، "المفردات" ص 273، "اللسان" 4/ 2351 (شهر).]]. وارتفع على البدل من الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم شَهْرُ رمضانَ. ويجوز أن يكون ابتداءً، وخَبرُه الذي مع صلته، كقولك: زيد الذي في الدار [[ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253.]]. وقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، المعنى: هي شهر رمضان [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 352.]]؛ لأن قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 1/ 112.]]، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: 2] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ قال: والأشبه أن يكون ﴿الَّذِي﴾ وصفًا، ليكون النص قد وقع على الأمر بصيام الشهر، يعنى: أَنَّكَ إن جعلت الذي خبرًا لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا [[في (ش): (فهذا).]] اللفظ، إنما يكون مخبرًا عنه بإنزال القرآن فيه، قال: وإذا جعلت الذي وصفًا كان حقُّ النظر أن يكنى عن الشهر في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه، قال: وهذا كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:1 - 2] و ﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:1 - 2] ونحو ذلك، يعنى: أن ذكر الابتداء أعيد ولم يُكْنَ عنه للتعظيم، كذلك في هذه. والفاء في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ داخل على خبر الابتداء، وليس من حق خبر الابتداء [[في (م): (المبتدأ).]] دخول الفاء عليه. ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه [[ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 112 - 113، "تفسير الطبري" 2/ 146 - 149، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253، "تفسير الثعلبي" 2/ 263، "التبيان" ص118، "البحر المحيط" 1/ 38 - 39، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 238.]]. و ﴿رَمَضَانَ﴾ لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل: عثمان وسَعْدان. واختلفوا في اشتقاق ﴿رَمَضَانَ﴾، فقال بعضهم: هو مأخوذ من الرمض، وهو حرُّ الحِجَارة من شدّة حَرِّ الشمس، والاسم: الرَمْضَاء، رَمِضَ الإنسان رَمَضًا: إذا مشى على الرَمضاء، والأرض رَمِضة، فسُمي هذا الشهر رمضان؛ لأن وجوبَ صَومه وافقَ بشِدَّة الحرّ، وهذا القول حكاه الأصمعي عن أبي عمرو [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 267، وقد ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1468 (رمض) ولم ينسبه لأحد.]]. وحكي عن الخليل أنه قال: مأخذه من الرَّمَضي [[عند الثعلبي: (الرمض).]]، وهو من السَحَاب والمطر: ما كان في آخرِ القَيْظ وأول الخريف، سمّي رمَضيًا لأنه يُدرِك سخونةَ الشمس وحَرَّها، فسمي هذا الشهر رمضان؛ لأنه يغسل [[في (م): زيادة (لأنَّ وجوب صومه يغسل).]] الأبدان من الآثام [[ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 269، وعزاه الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1469 (رمض) إلى أبي عمرو.]]. وقيل: هو من قولهم: رمَضتُ النصْلَ أرمِضُه رَمْضًا: إذا دقَقْتَه بين حجرين ليرقَّ، ونصل رَميض ومَرْمُوض، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمُضُون فيه أسلحتهم، ليقضوا منها أوطارهم في شوالٍ قبل دخول الأشهر الحرم، وهذا القول يُحْكَى عن الأزهري [[لم يذكره في "تهذيب اللغة" 2/ 1468، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 26، ولم ينسبه لأحد.]]، وعلى القولين الأولين يجب أن يكون هذا الاسم إسلاميًا، وقبل الإسلام لا يكون له هذا الاسم، وعلى ما حكاه الأزهري، الاسم جاهلي [[ينظر في رمضان: "تفسير الطبري" 2/ 144، "تهذيب اللغة" 2/ 1468 - 1469، "المفردات" ص209، "اللسان" 3/ 1730، "البحر المحيط" 2/ 26 (رمض).]]. وروي مرفوعًا أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: "أتدرون لم سمي شعبان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يشعب [[سقطت من (ش).]] فيه خير كثير لرمضان"، أتدرون لم سُمي رمضان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يرمض الذنوب" [[أخرجه ابن الشجري في "أماليه" 2/ 102.]]. والإرماض: الإحراق. وروى سلمة عن الفراء، يقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يُذكَر الشهرُ مع سائر أسماء الشهور العربية [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1469، وزاد، يقال: هذا شعبان قد أقبل، وكذا في "اللسان" 3/ 1730 (رمض).]]، ونحو هذا يروى عن مجاهد [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 144، ورواه ابن أبي حاتم عن جماعة منهم مجاهد ومحمد بن كعب القرظي، وقال ابن أبي حاتم 1/ 310: ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.]]، أنه كره أن يقال: رمضان. وروى أنس أن النبي -ﷺ- قال: "لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان" [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن أنس 2/ 265، وليس في شئ من المصادر الحديثية عن أنس، بل روى من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة - رضي الله عنها - عند ابن عدي في "الكامل" 7/ 53، والبيهقي 4/ 201 والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" 2/ 88، وابن أبي حاتم 1/ 310، وحكم ابن الجوزي عليه في "الموضوعات" 2/ 187 بأنه موضوع لا أصل له، وقال المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" ص 87 موضوع بلا ريب، وضعفه القرطبي في "تفسيره" 2/ 278، وقال: والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها. روى مسلم (في الصيام، باب: فضل شهر رمضان برقم 1079)، عن أبي هريره أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين". ورواه البخاري برقم [1898] ثم ذكر القرطبي آثارًا كثيرة كلها بإسقاط الشهر.]]. وقوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد ﷺ نجومًا [[سقطت من (ش).]] عشرين سنة [[رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" 367، والنسائي في "تفسيره" 2/ 131، والحاكم 2/ 242، وصححه، والبيهقي في "دلائل النبوة" 7/ 131، والطبري 2/ 144 - 145، وابن الضريس في "فضائل القرآن" ص 125، والطبراني في "الكبير" 11/ 305، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 269، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 9/ 4. قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم ذكر قول مقاتل: أنزل من اللوح المحفوظ كل عام ليلة القدر إلى سماء الدنيا قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع" انتهى كلامه.]]. وقال سفيان بن عيينة: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله: أن تقول: أنزل في الصديق كذا آية، تريد في فضله [[ذكره الرازي عن سفيان 5/ 85، "البحر المحيط" 2/ 39.]]. وقال ابن الأنبارى: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن. كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا تريد في فرضها، وأنزل في الخمر كذا تريد في تحريمها [[نسب ابن الجوزي هذا القول في "زاد المسير" 1/ 185، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 39 إلى مجاهد والضحاك، وذكر ابن الجوزي قولًا ثالثًا نسبه إلى ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي، وهو أن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي ﷺ.]]. فأما [[في (م): (وأما).]] القرآن فهو اسم لكلام الله تعالى واختلفوا [[ينظر في هذه المسألة "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "التفسير الكبير" 5/ 86، "تفسير القرطبي" 2/ 278، "اللسان" 6/ 3563 "قرأ"، "الإتقان" للسيوطي 1/ 146، "البرهان" للزركشي 1/ 277.]] في اشتقاقه وهمزه، فقرأه أبن كثير بغير همز [[قرأ ابن كثير بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة في الحالين، وكذلك حمزة عند الوقف، وليس لورش فيه توسط ولا مد؛ نظرا للساكن الصحيح الذي قبل الهمز، وهكذا كل ما جاء من لفظه في القرآن معرَّفا أو منكرا. ينظر: "النشر" 2/ 226، "البدور الزاهرة" ص 56، وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ): وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن، وكان يقرؤه كما روي عن ابن كثير.]]. أخبرنا سعيد بن العباس القرشي [[هو: سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، قدم بغداد حاجا، وحدث عن أبي حامد بن حسنويه وأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري وغيرهم، توفي سنة 433 هـ. ينظر: "السير" 17/ 552 - 553، "تاريخ بغداد" 9/ 113 - 114.]] كتابة، ثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري، ثنا محمد بن يعقوب المعقلي، عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم [[هو: شيخ الإسلام المصري الفقيه، كان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني كان أعلم بمذهب مالك وأحفظهم له، وكان عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، له مصنف في أدب القضاة، توفي سنة 268 هـ. ينظر: "السير" 12/ 497، "وفيات الأعيان" 4/ 193، "تقريب التهذيب" (6028).]]، أن الشافعي، رحمه الله، كان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل، قال: ويهمز قرأت ولا يهمز القرآن، كما تقول: وإذا قرأت القرآن [[ذكره الأزهري بسنده في "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 2/ 62، ونقله عن الواحدي: الرازي في "تفسيره" 5/ 86.]]. وقول الشافعي: إنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه ليس بمشتق، وقد قال بهذا جماعة، قالوا: إنه اسمُ كلامِه، يجرى مجرى الأعلام في أسماء غيره، كما قيل في اسم الله: إنه غير مشتق، من معنى يجرى مجرى اللقب في صفة غيره [[نقل ذلك الرازي في "تفسيره" 5/ 86، وقال بعده: وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان: أحدهما أنه مأخوذ من قرنت.]]. وذهب آخرون إلى أنه مأخوذ من قَرَنْتُ الشيءَ بالشيء: إذا ضممت أحدَهما إلى الآخر، فسمي لاقتران السور والآيات والحروف، ولأن العبارة عنه: قرن بعضه إلى بعض. فهو مشتق من قرن. والاسم: قران غير مهموز، كما يقال: خرج، والاسم خُراج، ومن هذا يقال للجمع بين الحج والعمرة: قران [[نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" 1/ 278.]]. وذكر الأشعري [[هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن تتلمذ في العقائد على الجبائي زوج أمه، وبرع في علمي الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم رجع فرد عليهم، وشُهر بمذهب ينسب إليه، وقيل إنه رجع بعده إلى مذهب السلف، له: "مقالات الإسلاميين"، و"الإبانة"، توفي سنة 324 هـ. ينظر: "شذرات الذهب" 2/ 303، "الأعلام" 4/ 263.]] رحمه الله هذا المعنى في بعض كتبه فقال: إن كلام [[في (م): (كتاب).]] الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض [[نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" 1/ 278. وهذا مذهب الأشاعرة واعتقاد السلف إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].]]. وقال الفراء: ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز [[ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 86.]]. وأما الذين همزوا اختلفوا، فقالت طائفة: إنه مصدر القراءة. قال أبو الحسن اللحياني [[هو: علي بن المبارك، وقيل ابن حازم، أبو الحسن اللحياني، تقدم.]] [["تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ).]]: يقال: قرأت القرآن، فأنا أقرأه قَرْأً [[في (م): (قراء).]] وقراءةً وقرآنًا، وهو الاسم، قوله: وهو الاسم يعني: أن القرآن يكون مصدرًا لقرأت، ويكون اسمًا لكتاب الله، ومثل القرآن من المصادر: الرُّجْحَان والنُّقْصَان والخُسْران والغُفْران [[ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 86، "اللسان" 6/ 3563 (قرأ).]]، قال ابن مقبل [[هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، تقدم.]]: يُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقرآنًا [[صدر البيت: ضحوا بأشمط عنوان السجود به والبيت لحسان بن ثابت في رثاء الخليفة عثمان - رضي الله عنه - كما في "المغني" 1/ 218، رقم 363، "البحر المحيط" 2/ 32، ومعنى الأشمط: شيب اللحية.]] أي: قراءة، هذا هو الأصل، ثم المقروء، ويسمي قرآنًا لأن المفعول يسمى بالمصدر، كما قالوا للمشروب: شراب، وللمكتوب: كتاب، واشتهر هذا الاسم في المقروء حتى إذا طرق الأسماع سبق إلى القلوب أنه المقرُوء، ولهذا لا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق مع كون القراءة مخلوقةً؛ لأن القرآن أشهر تسمية للمقروء [["التفسير الكبير" 5/ 86، "تفسير القرطبي" 2/ 278.]]. وقال أبو إسحاق الزجاج [["تهذيب اللغة" 3/ 2913، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305.]]: معنى قرآن معنى الجمع، يقال: ما قَرَأَتْ هذا الناقة سلًا قط، إذا لم يَضْطَم رحمها على ولد، وهذا مذهب أبي عبيدة [[ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 1 - 4، "التفسير الكبير" 5/ 86، "البرهان" للزركشي 1/ 277، "اللسان" 6/ 3563.]]، قال: إنما سُمي القرآن قرآنًا لأنه يجمع السور ويضمها، وأصل القرآن: الجمع، وأنشد قول عمرو: هِجَان اللون [[في (م): (اللون).]] لم تَقْرأْ جَنِينَا [[البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته وأوله: ذِراعَيْ حُرَّةٍ أَدْماءَ بَكْرٍ وينظر: "شرح المعلقات العشر" 111، "الجمهرة" 76، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 2 "لسان العرب" (مادة: قرأ)، و"تفسير القرطبي" 3/ 114، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 170.]] أي: لم تجمع في رحمها ولدًا، ومن هذا الأصل: قُرء المرأة، وهو أيام اجتماع الدم في رحمها. وقال قُطْرب [["تهذيب اللغة" 3/ 2912، "التفسير الكبير" 5/ 86.]] في (القرآن) قولين: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول أبي إسحاق وأبي عبيدة. والثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد، ونحو هذا قال أبو الهيثم واللّحياني، أي: ما أسقطت ولدًا قَط، وما طرَحت، وتأوِيلُه: ما حَمَلَتْ قَطّ. وأنشد قول حميد: أَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ... مرَاحًا ولم يقرأ [[في (ش): (تقرأ).]] جنينًا ولا دمَا [[البيت لحميد بن ثور في "ديوانه" ص 21، "لسان العرب" 6/ 3565 (قرأ).]] قال: معناه: لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا [["تهذيب اللغة" 3/ 2912، "اللسان" 6/ 3565.]]. قال أبو إسحاق: وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه أي: جَمَعْتُه [["تهذيب اللغة" 3/ 2912.]]. فبيّن على هذا أنه اسمٌ منقول من اسمِ هذا الحدث، كما أن قولنا: (زيد) في اسم رجل منقول من مصدر زاد يزيد، فأما دخول لام التعريف فيه بعد النقل فكدخوله في الحارث والعباس والفضل بعد النقل. ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي يسمى بها، وفيها الألف واللام: أنها بمنزلة صفات غالبةٍ، كالنابغة والصَّعِق، وهذا فيما ينقل من الصفات، فأما الفضل فإنما [[في (م): (فإنه).]] دخله الألف واللام لأنه [[في (م): (فإنه).]] أيضًا على [[بياض في نصف سطر في نسخة (أ) (م) وفي نسخة (ش) الكلام متصل كما هو مثبت والكلام غير واضح.]] وعلى هذا دخلت اللام في قولنا: القرآن، ومن هذه الأسماء ما يكون اللام فيه تعريفًا ثانيًا، كما قالوا في اسم الشمس: إلاهة والإلاهة [[سقطت من (ش).]]، ومنها ما يكون اللام فيه زائدة، نحو قوله: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي [[عجزالبيت: مكان من أشتى على الركائب ولم يعرف قائل هذا الرجز، والبيت ورد في "الأغفال" 1/ 267، "المخصص" 1/ 168، "الإنصاف" ص 272، "تهذيب اللغة" 2/ 1347، "الصحاح" 3/ 169، "اللسان" 2/ 1563 (ربع). وانظر ص 48 من هذا المجلد.]] قال: وقول من يقول: إنّ القرآن غير مهموز من قَرَنْتُ الشيء بالشيء سهو، وإنما هو تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، فصار اللفظ به كفُعَال، من قرنت، وليس منه، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا بقُرَان [[في (ش): (بقرأت).]] مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف عثمان، ولو أردت به فعالا من قرنت لا تصرف في المعرفة والنكرة، ذكر ذلك أبو علي في المسائل الحلبية [["المسائل الحلبية" ص 297، وينظر: "البرهان" للزركشي 1/ 278.]]. وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: هاديًا، وهو حال قد سَدّ مَسَدّ المفعول الثاني لأنزل [[ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 159، "تفسير الثعلبي" 2/ 278، "البحر المحيط" 2/ 40.]]، و ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ عطف على قوله ﴿هُدًى﴾، وتأويله: أنزل القرآن بيانًا للناس [[ينظر: "البحر المحيط" 2/ 40.]]. والبيِّنَات: جَمْعُ بينة، يقال: بانَ الشيءُ يبين بيانًا فهو بين، مثل: بيِّع بمعنى بايع. والبيِّنات: الواضحات [[ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 199.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ يريد: من الحلال والحرام والحدود والأحكام. وذكرنا معنى الفرقان في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾: يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله، ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ يريد: فرّق فيه بين الحق والباطل، وبيّن لكم ما تأتون وما تَذَرُونُ. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ﴾ زعم الأخفش والمازني: أن الفاء ههنا زائدة، وذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء أو زيادة، وليس للعطف ولا للجزاء ههنا مذهب [[نقله عنه في "التفسير الكبير" 5/ 87 - 88، والعكبري في "التبيان" ص 117، 118.]]، ومن زيادة الفاء: قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8] وقول الشاعر: لا تجزعي إِنْ مُنْفِسًا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي [[البيت للنمر بن تولب في "ديوانه" ص 72، وانظر: "لسان العرب" 8/ 4503 (نفس).]] ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما تقتضى جوابًا واحدًا. قال أبو علي: ولا يمتنع [[في (ش): (لا يمتنع).]] أن يكون دخول الفاء لمعنى الجزاء؛ لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة [[ليست في (أ) و (م).]] بعينه [[في (ش): (معينة).]]، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل، لايراد به واحدٌ بعينه، فلا يمتنع من أجل ذلك من معنى الجزاء، كما يمتنع ما يشار به إلى واحد مخصوص، ومن ثم لم يمتنع ذلك في صفة الموت في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ﴾ [الجمعة: 8]، لأن الموت ليس يراد به موتٌ بعينه، إنما يراد به الشِّيَاع ومعنى الجنس وخلاف الخصوص، والجزاءُ بوجبُ الشِّياع والإبهام واستغراق الجميع، ويكون التقدير فيه: الذي أنزل فيه القرآن من هذه الشهور التي سمي الواحد منها رمضان فمن شهده فليصمه [[ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 88، قال: وأقول: يمكن أن يقال الفاء هاهنا للجزاء، فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصًا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة.]]. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ﴾ أي: حضر. ومعنى الشهود في اللغة: الحضور [[ينظر: "التبيان" ص 115، "البحر المحيط" 2/ 41.]]، ومفعول شهد محذوف؛ لأن المعنى: فمن ﴿شَهِدَ﴾ منكم البلد أو بيته، يعنى: لم يكن مُسَافرًا [[المراجع السابقة.]]. وقوله تعالى: ﴿الشَّهْرَ﴾ انتصابه على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنه ما من أحدٍ غَابَ أو حضر إلّا وهو يشهد الشهر، لكن المعنى: من شهد منكم بيته في الشهر [["إعراب القرآن" للنحاس 1/ 238، "الكشاف" 1/ 114، "البحر المحيط" 1/ 41، قال: وقيل: انتصاب الشهر على أنه مفعول به، وهو على حذف مضاف، أي: فمن شهد منكم دخول الشهر عليه، وهو مقيم لزمه الصوم، ثم قال: وقيل: التقدير: هلال الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنك لا تقول: شهدت الهلال، إنما تقول: شاهدت، ولأنه كان يلزم الصوم من كل من شهد الهلال وليس كذلك.]]، ولا بد أيضًا من إضمار حال الشاهد وصفته، التي بوجودها يجب الصوم، وهو أن يقال: من شهد منكم الشهر عاقلًا بالغًا مقيمًا صحيحًا [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 148، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 183، "تفسير الثعلبي" 2/ 298.]]. قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شَهِدَ منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 18، والطبري 2/ 146، والبيهقي 4/ 246، وذكرها الثعلبي 2/ 300، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 82، والقرطبي 2/ 299، وروى الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس ما يوافق القول الثاني 2/ 147.]]. وذهب طائفة إلى أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار. وهو قول النخعي [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 147، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 312.]] والسُدي [[رواه عنه الطبري 2/ 146، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 312.]] وابن سيرين [[رواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 269، وابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 18، والطبري 2/ 146، 147، وقد ذكره من روايته عن عبيدة السلماني عن علي مرة، وعن عبيدة مرة أخرى.]] ومذهب جماعة [[وممن حكي عنه هذا: علي وعائشة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير وابن الحنفية وسويد بن غفلة وعلي بن الحسين ومجاهد والشعبي وأبو مجلز، وغيرهم. تنظر الروايات عنهم في: "تفسير الطبري" 2/ 146، 147، ابن أبي حاتم 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 2/ 298، وقال ابن العربي في أحكام القرآن 1/ 83: وقد سقط القول الأول -يعني: قول هؤلاء- بالإجماع من المسلمين كلهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربنا: (فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد)، وقد روي أن النبي ﷺ (سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكَديد فأفطر وأفطر المسلمون). رواه البخاري برقم (2953) كتاب الجهاد والسير، باب: الخروج في رمضان، ومسلم برقم (1113) كتاب الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر .. ، وقال جمهور الأمة: (من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر)، وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار الثابتة. وينظر: "المغني" 1/ 343 - 344، "تفسير ابن كثير" 1/ 231.]] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أعاد هاهُنا تخييرَ المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيصَ المسافر والمريض؛ ليعلم أنه باق على ما كان [[ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 199.]]. والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر [[ينظر: "أحكام القرآن" للشافعي ص 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 304، "أحكام == القرآن" لابن العربي 1/ 77، "تفسير القرطبي" 2/ 156 - 157، "المغني" 4/ 403، وذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 150 أقوال العلماء في المرض الذي يبيح الفطر، فذكر ثلاثة أقوال: الأول: هو الذي لا يطيق معه صاحبه القيام لصلاته، ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي. والثاني: كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة، ونسبه للشافعي. الثالث: كل مرض يسمى مرضا، ونسبه لمحمد بن سيرين، ورجح أن من أجهده الصوم جهدا غير محتمل من المرض فله الفطر. وذكر القرطبي أن الجمهور يرون أن من كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر، وقد ذكر قبل ذلك أن للمريض حالتين: إحداهما: أن لا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. وهذا من كلام ابن العربي في "الأحكام" 1/ 77.]]. وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار [[اختلف العلماء في حد السفر الذي يبيح الفطر على أقوال كثيرة. ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 327، "المغني" 3/ 105 - 110، 4/ 345، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 77، "تفسير القرطبي" 2/ 257 - 258، والذي في البخاري: كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي "ستة عشر فرسخا".]]: ستة عشر فرسخا [[الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة معترضة أي: أن طول الفرسخ نحو 6 كلم. ينظر: "المجموع شرح المهذب" 4/ 190، "القاموس" 329، "المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري" ص 94.]] فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ [[في (أ)، (م): (ومن).]] أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدّى، على هذا عامة الفقهاء [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 153، "تفسير الثعلبي" 2/ 311، "المغني" 4/ 406.]]. ومن أجهده الصوم في السفر كره له ذلك [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 155، "تفسير الثعلبي" 2/ 318 - 322، "تفسير القرطبي" 2/ 260.]]، وفي مثل هذا: جاء ما روي أنه ﷺ قال: "ليس من البر الصوم في السفر" [[أخرجه البخاري (1946) (كتاب الصوم)، باب: قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر، ومسلم (1115) (كتاب الصيام)، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر. من حديث جابر وقد روي من حديث أبي سعيد وأنس.]] يريد: لمن يشق عليه ويجهده. وذهب قومٌ من الصَّحَابة إلى أن الإفطار في السفر واجب [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 152 حيث روى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، "تفسير الثعلبي" 2/ 305، "المغني" 4/ 406، "تفسير ابن كثير" 1/ 231.]]. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: بالرخصة للمسافر والمريض [["تفسيرالثعلبي" 2/ 327.]]. واليُسْر في اللغة: معناه: السهولة، ومنه يقال للغِنَى والسَّعَة: اليَسَار؛ لأنه يتسهل به الأمور، واليد اليُسْرى قيل: على التفاؤل باليسر، وقيل: لأنه يتسهل الأمر بمعاونتها اليمنى [[ينظر: "المفردات" ص 553، "اللسان" 8/ 4957 - 4960 (يسر).]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم. وهذه الإرادة ونفي الإرادة تختص بالأحكام لأهل الإسلام [[في (أ)، (م): لأهل (الأحكام) سلام.]] [["تفسيرالثعلبي" 2/ 328.]]. قال الحسين بن الفضل: يريد الله أن يكون أمره بالصوم عليكم ميسَّرًا، ولم يرد أن يكون أمره بالصوم عليكم مُعَسَّرًا [[لم أجده.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ذكرنا معنى العدة [[تقدم معنى العدة في الآية السابقة.]]، والمدةُ من الأيام تسمى عِدَّة، قال أبو زيد: يقال انقضت عدة الرجل إذا انقضى أجله [[ينظر: "اللسان" 5/ 2834 (عدد).]]. قال عطاء عن ابن عباس: ولتكملوا عدة أيام الشهر، إن كان ثلاثين قضيتم ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين قضيتم تسعًا وعشرين، عددًا [[روى الطبري 2/ 156، 157، أثرين عن الضحاك وابن زيد بمعنى ما ذكر.]] بعدد [[تقدم الحديث عن رواية عطاء ص 92.]]. وروي عنه أيضا يعني: عدة ما أفطرتم، يوما مكان يوم. رواه الكلبي عن أبي صالح عنه [[تقدم الحديث عن رواية الكلبي ص 92.]]، فحمل ابن عباس إكمال العدة في الروايتين على قضاء رمضان [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 156، 157، "تفسير الثعلبي" 2/ 330، "تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 174.]]. ومعنى الواو في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ على هذا التفسير: العطف على معنى الكلام لا على ظاهر اللفظ، وذلك أن في إباحته الإفطار للمريض والمسافر تسهيل، فتأويل الكلام: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ولتكملوا العدة إذا أقمتم وبرأتم، والعرب ربما تحمل الكلام على المعاني وتترك اللفظ، أنشد الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 254، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 92.]]: بادَت وغُيِّر آيُهنّ مع البلى ... إلا رَواكدَ جمرهُن هباءُ ومشججٌ أما سواءُ قذاله ... فبدا وغيّبَ سارَه المَعْزَاءُ [[البيت لشماخ بن ضرار، في ملحق "ديوانه" ص 427 - 428، ولذي الرمة في ملحق "ديوانه" ص 1840 - 1841، "لسان العرب" 4/ 2197. والرواكد: الأثافي، والمَعْزاء بفتح الميم: الأرض الغليظة الصلبة. والمشج: الوتد، والقذال: أعلاه،== وساره: سائره. وهذا البيت من شواهد "الكتاب" لسيبويه 1/ 173 - 174.]] فعطف المشجج على معنى: بها رواكِد ومشجج؛ لأنه لما قال: بادت إلا رواكد ومشجج علم أن المعنى بقيت رواكدُ ومشجج [[زيادة يقتضيها الكلام، من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 254.]]. واحتج ابن الأنباري لهذه الطريقة بقول الشاعر: قد سالَمَ الحياتُ منه القَدَما ... الأُفْعُوانَ والشُّجَاع الشَّجْعَما [[اختلف في قائل هذا الرجز، فنسب في "اللسان" 4/ 2201 (شجع) إلى مساور بن هند، ويقال هو لأبي حيان الفقعسي، وفي "كتاب سيبويه" 1/ 145، لعبد بني عبس، ونسبه الأعلم للعجاج، وفي "شرح شواهد المغني" للسيوطي ص 329 قال: هو من أرجوزة لأبي حيان الفقعسي، وقيل. لمساور بن هند العبسي، وبه جزم البطليوسي، وقيل: للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمري، وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس، انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 195.]] رد الأفعوان والشجاع على الحيات بالنصب، وهي مرفوعة على تغليب المعنى وتحلية [[في (أ): (تخلية).]] اللفظ؛ لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. قال: ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على مضمر في الكلام يدل عليه المعنى، والتأويل: يريد الله بكم اليُسر، ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، وبقيت الثانية منعطفة عليها؛ لأن قيام معناها في الكلام يجري مجرى إظهارها. واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى الآية: ولتكملوا العدة في قضاء ما أفطرتم، والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدةَ فعلَ ذلك، أو شرع ذلك، أي: الرخصة في الإفطار. ومثله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، وروي عن ابن عباس أيضا ما يدل على أن المراد بإكمال العدة إكمالها في الأداء لا في القضاء، وهو أنه قال في قوله ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يعني: عدة أيام الشهر [["معاني القرآن" للفراء 1/ 113 - 114، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 92، واختار هذا الطبري في "تفسيره" 2/ 157.]]. وتقدير الآية على هذا التفسير: يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العُسْر، ويريد لتكملوا العدة. والمفسرون على أن المراد به إكمالُ العِدّة في القضاء [[هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، ونسبه الثعلبي 2/ 329، البغوي 1/ 201 لعطاء.]]. وفي قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾، قراءتان: التخفيف والتشديد [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 157، وابن أبي حاتم 1/ 313، والبغوي 1/ 201، "المحرر الوجيز" 2/ 114، 115، "تفسير ابن كثير" 1/ 232.]]، فمن خَفَّفَ فلقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [[قرأ يعقوب وأبو بكر بن عياش عن عاصم بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف. ينظر: "النشر" 2/ 226، "الحجة" 2/ 274.]] [المائدة: 3]، وقد قال امرؤ القيس: طوالُ المتون والعرانين والقنا ... لِطافُ الخُصور في تمام وإكمال [[البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 139.]] ومن شدَّدَ فلأن فَعَّل وأفعل يتعاقبان في أكثر الأحوال، كما ذكرنا في وصَّى وأوصى [[ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 274 - 275.]]. وقال النابغة: فكمَّلَتْ مائةً فيها حمامتُها ... وأسرعت حسبةً في ذلك العددِ [["ديوان النابغة" ص 16.]] واللام في ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾، لام كي [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 329، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 350، "تفسير البغوي" 1/ 201.]]، وليستْ لامَ الأمر، ولو كانت لامَ الأمرِ لجاز تسكينُها مع الواو؛ لأنه إذا دخل على لام الأمر الواو أو الفاء أو ثم جاز تسكينها وتحريكها، كقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، قرئ بالتسكين والحركة [[سقطت من (م).]] [[ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 276 - 277، قرأ ابن ذكوان بكسر اللام فيهما، والباقون بالإسكان، وقرأ شعبة بفتح الواو وتشديد الفاء من: وليوَفُّوا، والباقون بسكون الواو وتخفيف الفاء.]]. ونذكر الكلام فيه في سورة الحج إن شاء الله. قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد لتعظموا الله على. ما أرشدكم له من شرائع الدين [[هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها ص 92. وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 330 دون عزو لأحد.]]. وقال أكثر العلماء [[في (م): (المفسرين العلماء).]]: أراد به التكبير ليلة الفطر [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 157، "تفسير القرطبي" 2/ 286 - 287، "تفسير ابن كثير" 1/ 232 - 233.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: حقٌّ على المسلمينَ إذا رَأَوا هَلالَ شوالٍ أن يُكبروا [[رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 157، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 330، وهو مروي عن زيد بن أسلم كما في المصدرين السابقين.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب