الباحث القرآني

فقال له الخضر محققًا ما كان قال له أولاً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ روى ابن عباس، وأبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: "كانت الأوُلى من أمر موسى في النسيان، والثانية العذر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص" [["جامع البيان" 15/ 184، "النكت والعيون" 3/ 327، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 105. وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. فعلى هذا معنى قوله: ﴿نَسِيتُ﴾ غفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك ونسيت ذلك. وروي عن ابن عباس نفسه أنه قال: (بما تركت من عهدك) [["جامع البيان" 15/ 285، "معالم التنزيل" 5/ 190، "النكت والعيون" 3/ 327، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ.]]. وهو قول الكلبي يقول: (ما تركت من وصيتك) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة، وكذلك "جامع البيان" 15/ 285، و"الكشاف" 2/ 493.]]. وعلى هذا القول النسيان بمعنى: الترك، لا بمعني الغفلة. وروي عن أبي بن كعب نفسه أنه قال: (لم ينسها ولكنها من معاريض الكلام) [["جامع البيان" 15/ 285، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150، "روح المعاني" 15/ 338.]]. وهذا القول مروي عن أبي عمرو بن العلاء قال: (ما كان نسي [[في (ص): (مني)، وهو تصحيف.]]، ولكن هذا من معاريض الكلام) [[لم أقف عليه عن أبي عمرو. وذكره "جامع البيان" 15/ 285 ونسبه لأبي بن كعب، وكذلك "الكشف والبيان" 3/ 391، و"المحرر الوجيز" 9/ 362، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الدر المنثور" 4/ 428. وذكره "بحر العلوم" 2/ 307، ونسبه لابن عباس، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 190، و"النكت والعيون" 3/ 327، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 20.]]. ومعني هذا: أنه اعتذر بالنسيان كالعادة في الكلام، وأن لفظ النسيان كثيرًا ما يذكر معترضًا به من غير حقيقة. وقال بعضهم: (أراد أنه لم يقل له: نسيت فيكون كاذبًا، ولكنه قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ فأوهمه النسيان تعريضًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 262، "بحر العلوم" 2/ 307.]]. وقد حصل في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ ثلاثة أوجه [[والقول الأول -والله أعلم- هو الراجح وهو قول جمهور العلماء. قال ابن جرير الطبري 15/ 184: والصواب من القول في ذلك أن يقول أن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه وهو لعهده ذاكرًا للصحيح عن رسول الله -ﷺ- بأن ذلك معناه من الخبر. وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (تلحقني) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 328 بدون نسبة.]]. روى سلمة عن الفراء: (رهِقَني الرجل، يَرْهَقني، رهقًا، أي: لَحِقَني وغَشِيَني، وأَرْهَقته إذا أَرْهَقَته غيرك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1479.]]. وقال أبو إسحاق: (معنى ﴿تُرْهقِنى﴾ تغشيني) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 302.]]. ونحو ذلك قال ابن قتيبة [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 269.]]، وهو قول العامة. ويغشني ويلحقني بمعنى واحد، ومن لحق شيئًا فقد غشيه. وقال الكلبي في قوله: (﴿وَلَا تُرْهِقْنى﴾ لا تكلفني) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة.]] قال أبو زيد: (أرهقتُه عُسْرًا إذا كلَّفته ذاك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489.]]. وهذا قريب من الأول، والكلام في هذا الحرف قد سبق عند قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26]. ومعنى الآية؛ عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق عليَّ الأمر في صحبتي إياك [["جامع البيان" 15/ 185، "معالم التنزيل" 5/ 190، "البحر المحيط" 6/ 150.]]. وقال الفراء في قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنىِ﴾: (لا تعجلني) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]]. قال ابن شميل: (أرهَقَني القوم أن أصلِّي، أي: أعْجَلُوني) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "تاج العروس" (رهق) 13/ 183.]]. وقال ابن الأعرابي: (إنه لرَهِقٌ أي: سريع إلى الشر سريع الحِدَّة) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]]. وقال الكسائي: (فيه رَهَق، أي: خفِّة وحدِّة) [["لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]]. والأحسن في تفسير ﴿ترهقني﴾ مع قوله: ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قول ابن عباس، والكلبي. وقول الفراء بعيد في تفسير الآية، لا يحسن أن نقول: لا تعجلني من أمري عسرا، والله أعلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب