الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال الزجاج وجميع أصحاب المعاني: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ [[بعض الكلمات هنا ساقطة من (أ)، (د).]]، ليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن؛ ومثله إذا أكلت فقل: بسم الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 218، بتصرف يسير، وورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 173، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 105، و"تفسير الجصاص" 2/ 191، == والسمرقندي 2/ 250، والثعلبي 2/ 163أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 212، والطوسي 6/ 424، وانظر: "تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، والبغوي 2/ 42، والزمخشري 2/ 343، وابن عطية 8/ 507، وابن الجوزي 4/ 489، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 10/ 175.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6]، وبينا حكم (إذا) في وقوع (ما) بعدها مستقبلًا في أوائل سورة البقرة وإجماع الفقهاء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة [[في دعوى الإجماع نظر، وقد خالفه بعض السلف وكبار الفقهاء -وإن كان استدلالهم ضعيفًا أو مشكوكًا في نسبته إليهم-، قال الثعلبي: اختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة؛ فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: يتعوذ بعد القراءة، وإليه ذهب داود، وقال مالك يتعوذ بعد القراءة، واحتجوا بظاهر الآية، وقال الكيالهراسي: ونُقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقًا، احتجاجًا بالآية، وقال النووي: وأما محله فقال الجمهور هو قبل القراءة، وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي: يتَعوذ بعد القراءة، وكان أبو هريرة يتعوذ بعد فراغ الفاتحة لظاهر الآية، وقال الجمهور معناه: إذا أردت القراءة فاستعذ، وهو اللائق السابق إلى الفهم، وقال القرطبي: رُوي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود، وقال ابن كثير: حُكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، وأبهم ابنُ العربي القائلين ووصفهم وصفًا قاسيًا لا يليق بهم، قال: انتهى العِيُّ بقوم إلى أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه الأقوال تجعل دعوى الإجماع غير صحيحة، بل الصحيح أنه قول الأكثر والجمهور؛ كما نص الثعلبي والنووي. انظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 163أ، و"الكيالهراسي" 4/ 175، و"ابن العربي" 3/ 1175، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 1/ 88، و"المجموع" 3/ 325، و"تفسير ابن كثير" 1/ 14 - 17، 2/ 645.]]. وبه وردت الأخبار [[منها: ما رواه أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، == ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر كبيرا"، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ. وقد أخرجه أبو داود (775) كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك، والترمذي (242) كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة، [قال عمر -رضي الله عنه-: همزه الموتة؛ وهي الجنون، نفخه: الكبر، نفثه: الشعر. "تفسير البغوي" 5/ 42].]]، وذهب أبو هريرة -رضي الله عنه- إلى أن الاستعاذة بعد القراءة، وهو مذهب مالك [[وقد استغرب ابن العربي نسبة هذا القول إلى مالك، وقال هذه دعوى عريضة لا تُشْبِهُ أصولَ مالك ولا فهمه، والله أعلم بسرِّ هذه الرواية. انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1176.]]، وداود [[داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، فقيه حافظ، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، وإليه ينسب المذهب الظاهري، وكان فاضلاً صدوقًا ورعًا، سمع من إسحاق بن راهويه ومسدد بن مسرْهَد، وعنه: ابنه محمد ويوسف ابن يعقوب، من مصنفاته: "الإفصاح"، "الأصول"، ولد بالكوفة سنة (202 هـ) وسكن بغداد، ومات سنة (270 هـ). انظر: "الفهرست" ص 299، و"الأنساب" للسمعاني 4/ 99، و"وفيات الأعيان" 2/ 255، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 573.]]، كأنهم أخذوا بظاهر الآية [[لا شك أن ظاهر الآية يقتضي ذلك، ولكنه مدفوع ومفسرٌ بفعل النبي -ﷺ- يقول الجصاص: يقتضي ظاهره أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، ولكنه قد ثبت عن النبي -ﷺ- وعن السلف الاستعاذة قبل القراءة، وقد جرت العادة بإطلاق مثله. انظر: "تفسير الجصاص" 2/ 191، و"المحلى" 3/ 350، و"تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، ومن توجيهات القائلين بهذا القول، أن الاستعاذة بعد القراءة هي لوقاية العمل من الحبوط، إذ ربما أورث حسن القراءة العجب في نفس القارئ، والعجب من الشيطان، فكان من المناسب أن يؤمر بالاستعاذة منه. انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 14 - 47.]]، وذلك جهل بمقاييس العربية [[عبارته هذه قاسية، ولا يليق وصف الصحابة وأئِمة الأمة بالجهل.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب