الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ من صفة المقتسمين، إلا على قول ابن زيد، فإنه يكون ابتداءً وخبره في (لنسألنهم)، وذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين، أحدهما: أن واحدها عِضَة؛ مثل: عزة ونزة وثبة، وأصلها عِضْوة من: عضَّيتُ الشيء، إذا فرَّقته [[انظر: (عضه) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2477، "الصحاح" 6/ 2241، "عمدة الحفاظ" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب.]]، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واوٌ؛ وهي لام الفعل -مثل قِلَة وعِزَة- وبابها، والتعضية التجزئة والتفريق، ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس في عضين ما ذكرناه في المقتسمين، ويقال: عضيت الشاة والجزور تعضية، إذا جعلتها أعضاءً وقسمتها. وفي الحديث: "لا تَعْضية في ميراثٍ إلا فيما حمل القَسْمَ" [[أخرجه الدارقطني كتاب: الأقضية والأحكام، باب: المرأة تقتل إذا ارتدت 4/ 219 بنحوه بروايتين عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب: آداب القاضي، باب: مالا يحتمل القسمة 10/ 133 بنحوه بروايتين، وورد في "النهاية" 3/ 256، و"الكنز" 11/ 9، والحديث ضعيف كما قال الشافعي: قال ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا، وقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه، وهو قول الكافة، وعلة أخرى أن الحديث يدور على صديق بن موسى، وهو ليس بحجة كما في "الميزان" 3/ 28، وقد أشار إلى ذلك الآبادي في ذيل "سنن الدارقطني" 4/ 219.]] أي: لا تجزئة فيما [لا]، [[في جميع النسخ بدوك (لا)، ولا يستقيم المعنى إلا بها؛ لأن المراد النهي عن تفريق ما يكون تفريقه ضررًا علي الورثة؛ كأن تقسم جوهرة نفيسة أو ثوب نفيس فتنقص بذلك قيمته.]] يحتمل القَسْم؛ كالجوهرة والسيف وغيرهما، وهذا معنى قول المفسرين وأكثر أهل المعاني؛ قال ابن عباس في قوله: {جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} يريد جَزَّؤُوهُ أجْزاءً، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولمِن، وقالوا: مفترى [[أخرجه البخاري (4705) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنحوه عن ابن عباس، والطبري 14/ 64 - 66 عنهما بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 عنهما، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر 2/ 355 بنحوه، والماوردي 3/ 173 عن ابن عباس، والطوسي 6/ 354 عن قتادة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 418 عنهما، و"تفسير القرطبي" 10/ 59، والخازن 3/ 103، وابن كثير 2/ 614، و"تنوير المقباس" ص 281، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس.]]، وهذا قول قتادة واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.]] وأبي العباس [[لم أقف عليه.]] وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 355 بمعناه.]]، ولكون المعنى على هذا: جعلوا القول في القرآن عضين حين اختلفت أقوالهم وتفرقت في وصف القرآن. القول الثاني: أنها عِضَة، وأصلها عِضْهة، فاستثقلوا الجمعَ بين هاءين، فقالوا: عِضَة؛ كما قالوا: شَفَة والأصل شَفْهة [[انظر: (عضة) في "تهذيب اللغة" 3/ 2478، مجمل اللغة 2/ 673، "الصحاح" 6/ 2241، "شرح الفصيح" للزمخشري 2/ 611، "عمدة الحفاظ" 3/ 111، "تفسير الطبري" 14/ 65، الثعلبي 2/ 152ب.]]، بدليل قولك: شافهت مشافهة، وسَنَة وأصلها سَنْهة في أحد القولين [[ذكر أبو علي الفارسي أن لام الكلمة المحذوفة يجوز أن تكون واوًا أو هاءً، لقولهم في (سنة) (أسْنَتُوا) -أجدبوا- ومنها؛ (سنوات)، أصلها واو، وفي قولهم: (ساناه) -عامله بالسنة- ومنها: (نخلة سَنْهاء) -أصابتها السنة- أصلها هاء، وقولهم في (عضه): (عِضوات) أصلها واو، وفي قولهم: (عِضاه، وبعير عاضه، وناقة == عاضهة) أصلها هاء. انظر: "المسائل الحلبيات" ص 345، "المسائل البغداديات" ص 158، "سر صناعة الإعراب" 1/ 418، "المحكم" (عضه) 1/ 59.]]، وعلى هذا؛ الهاء لام وهي من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: "إيَّاكم والعِضَة" [[جزء من حديث طويل يتكون من عدة فقرات، كهجر المسلم، والصدق والكذب، وأحسن الكلام .. ، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب القدر 11/ 116 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 98 بنصه، قال محقق "المعجم الكبير": (قال شيخ الإسلام في إقامة الدليل ص 59: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيدة إلى محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال .. فذكره، وهذا إسناد جيد، لكن المشهور أنه موقوف على ابن مسعود. وأفاد كذلك المحقق أن الألباني ضعفه - دون أن يذكر أين. وورد برواية: ألا أُنبِّئكم ما العَضْه؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس)، أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم النميمة.]]. وقال ابن السكيت: العَضِيْةُ أن يَعْضِه الإنسانَ ولقول فيه ما ليس فيه [[إصلاح المنطق ص 353 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، وفيهما: (العَضِيْهَةُ) بدل (العضية).]]، وهذا معنى قول عكرمة واختيار الكسائي [[انظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477، "تفسير ابن عطية" 8/ 356.]]، وقول الخليل فيما روى عنه الليث [[كتاب "العين" 1/ 99 بمعناه.]]. قال عكرمة: العضه السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر: عاضِه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 350 بنصه، والطبري 14/ 66 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 173، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 320، وأبن عطية 8/ 357، وابن الجوزي 4/ 419، وابن كثير 2/ 614، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]]. وقال ابن الأعرابي: العضة والتُّوَلة [[التُّولة والتِّوَلة: شيءٌ يُشبه السحر، يُحببُ المرأة إلى زوجها. "المحيط في اللغة" (تول) 9/ 462.]] السحر [[لم أقف عليه.]]. وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 مختصرًا، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 213 نقلهما عن الواحدي بنصه بلا نسبة.]]، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لِمَا لحقها من الحذف؛ فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف، وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ [[واحد الثُبات: ثُبَةٌ، انظر: " لغريب" لابن قتيبة 1/ 127، "تهذيب اللغة" (ثاب) 1/ 465، "عمدة الحفاظ" 1/ 317.]] [النساء: 71] وفي جمع أرض [[لم أقف على الآية التي أشار أنه تعرض فيها لجمع أرض، وقد جمعت (أرضون)، والقياس يقتضي جمعها (أرضات) لأنها مؤنث، فلما حذفت الهاء -أي من أرضة- عوضوا عنها في الجمع بالواو والنون، فقالوا (أرضون) وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التغيير تميزًا لها لمخالفة الأصل، وليعلم أن سبيلها لو جمعت بالتاء أن يفتح راؤها، فيقال: (أرَضات). انظر: "شرح المفصل" 5/ 5.]]. قال الفراء: ومن العرب من يجعلها بالياء على كل حال، ويعرب نونها فيقول: عِضِينُك، ومررت بعِضِينِك، وأنشد: [[البيت للصمة بن عبد الله القُشَيْري ت 95 هـ.]] دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَه .... لَعِبْنَ بَنا شِيبًا وشيَّبْنَنَا مُرْدا [[ورد في:"تكملة الإيضاح" العضدي ص 207، "شرح شواهد الإيضاح" ص 597، "شرح المفصل" 5/ 11، "شرح التصريح" 1/ 77، "الخزانة" 8/ 58، وورد بلا == نسبة في "المخصص" 9/ 66، "الاقتضاب" ص 193، "أمالي ابن الشجري" 2/ 261، "اللسان" (نجد) 7/ 4346، (سنه) 4/ 2127، "أوضح المسالك" ص 14 (صدر)، "شرح ابن عقيل" (1/ 65، وفي بعض هذه المصادر (ذراني) بدل (دعاني)، والمعنى واحد، وهو أمر ومعناه: اتركاني من ذكر نجد، (سنينه): جمع سنة، وهي هنا إما بمعنى العام وإما بمعنى القحط. (شِيباً): جمع أشيب، وهو الذي ابيضَّ شعره، (مُردًا) جمع أمرد، وهو الذي لا شعر بعارضيه. والشاهد قوله: (سِنينَه) بإثبات النون ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء وإلا لقال: (سِنِيْه) بحذف النون للاضافة وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم، ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودًا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، وكذلك يكون ما قام مقامه. انظر: "شرح التصريح على التوضيح" 1/ 77.]] قال وأنشدني بعضُ بني أسد [[لم أقف على القائل، وفي المصدرين -الذين وقفت عليهما- نُسب إلى الفراء.]]: مِثْل المَقَالِي ضُرِبَتْ قُلِينُها [[ورد في: "تهذيب اللغة" (قلا) 3/ 3025، "اللسان" (قلا) 6/ 3732، القُلَة والمِقْلَى والمِقلاء: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمِقلى العود الكبير الذي يُضرب به، والقُلَة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وهي قَدر ذراع، وجمع المقلى المقالي، الشاهد: (قُلِينُها) حيث جعل النون كالأصلية فرفعها، وذلك على التوهم، ووجه الكلام فتح النون لأنها نون الجمع.]] قال وإنما يجوز هذا فيما نقص لامها؛ لأنهم توهموا أن النون أصلية وأن الحرف على فعيل، ألا ترى أنهم لا يقولون هذا في الصالحين والمسلمين! وكذلك قولهم: الثبات واللغات، ربما أعربوا التاء منها بالنصب والخفض فيتوهَّمون أنها هاء وأن الألف قبلها من الفعل، وأنشد [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي (جاهلي).]]: إذا ما جَلاَهَا بالإِيَام تَحَيَّزَتْ ........ ثُبَاتًا عليها ذُلُّها واكْتِئَابُها [["ديوان الهذليين" ص 79، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 53 وفيهما برواية: (فلمِّا اجتلاها)، وورد في: "أدب الكاتب" ص 441، "جمهرة اللغة" 1/ 248، 3/ 1334 وفيهما (ثباتٍ) بكسر التاء، "المنصف" 3/ 63، "المحتسب" 8/ 111، الاقتضاب ص 403، "شرح الجواليقي" ص 226، "اللسان" (أيم) 1/ 192، وورد بلا نسبة في: "الخصائص" 4/ 303، "المخصص" 8/ 182، 40/ 11، "شرح المفصل" 5/ 4. (اجتلاها): كشفها وأبرزها وأخرجها، (الإِيام): الدُّخان؛ وجمعُه أُيُم، وآمَ الدُّخانُ يَئيم إياماً: دخَّن، وآمَ الرجُلُ إيامًا إذا دَخَّن على النَّحْل ليَخرج من الخلِيَّة فيأخذ ما فيها من العسل، وقيل: الإيامُ: عُود يجعل في رأسه نارٌ ثم يُدخَّنُ به على النحل ليُشْتارَ العَسَلُ، (تحيزت): اجتمع بعضها إلى بعض، ويقال: تفرَّقت؛ صارت فِرقًا في كلِّ حيّز شيء، وُيروى (تحيرت) من الحَيرة؛ أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب، (ثبات): جمع ثُبَةٍ؛ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء، (الاكتئاب): الحزن. والشاهد: (ثباتًا) حيث نُصبت بالفتحة وحقها الكسرة -كما هو الأصل في جمع المؤنث السالم- وحجة من نصبها أن لام الكلمة محذوف ولم تُرَد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتَهم بفتح التاء؛ لأن أصل ثُبَةٍ ثُبْوَة، وأصل لُغَة لُغْوَة. انظر: "شرح المفصل" 5/ 8.]] ولا يجوز ذلك في: الصالحات والأخوات؛ لأنها تامة لم يُنقص من واحدها شيء، قال وما كان من حرف نُقِص من أوّله مثل: زِنة ولِدة [[ساقطة من (د)، ولِدَةُ الرجل: تِرْبُهُ، قال الجوهري: والهاء عوضٌ من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لِدَان، والجمع لِداتٌ ولِدُون. انظر: (ولد) في "المحيط في اللغة" 9/ 357، "الصحاح" 2/ 554، "اللسان" 8/ 4915.]] ودِية فإنه لا يقاس على هذا؛ لأن نقصه من أوَّله لا من لامه، فما كان منه مؤنَّثًا أومذكَّرًا فأجْرِه على التمام؛ مثل: الصالحين والصالحات، تقول: (رأيت لِدَاتِك) [[ما بين القوسين كتب على هامش أ.]] [ولِدِيكَ] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في المصدر.]] ولا تقل [[في جميع النسخ: (ولا هتك) ولم يتبين لي معناها، ولعلها من تصحيفات النساخ، والتصويب من المصدر.]]: لِدِينَك، ولا: لِداتَك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 - 93 وهو نقل طويل نقله بتصرف واختصار.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب