الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الثمار والحبوب [["تنوير المقباس" ص 277 بنحوه.]]، وذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف [[آية: [10].]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مما مَلَّكْتُكم وما أنتم له برازقين، إنما رِزْقهم عليّ وأنا خالقهم، وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج وأبي بكر، روى ابن جريج عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: الدواب والأنعام [["تفسير مجاهد" ص 340 بنصه عن ابن أبي نجيح، وأخرجه الطبري 14/ 17 بنصه من طريق ابن جريج وابن أبي نجيح، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 18، "تفسير الماوردي" 3/ 154، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، أبي حيان 5/ 450، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 4/ 178 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال الزجاج: الأجود والله أعلم أن يكون (من) هاهنا أعني في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يراد بها العبيد والدواب والأنعام، أي: وكُفِيتُمْ مؤنة أرزاقها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177 بنصه.]]. وقال أبو بكر: تقديره وجعلنا لكم فيها معايش وعبيدًا وإماءً يرزقهم ولا ترزقونهم. قال أبو إسحاق: وموضع (مَنْ) نصبٌ من جهتين؛ أحديهما: العطف على ﴿مَعَايِشَ﴾: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وجائز أن يكون عطفًا على تأويل (لكم)؛ لأن معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: أعشناكم، المعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177 بنصه.]]، أي رزقناكم ومن لستم له برازقين. (وعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل الطير والوحش في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] لأن الله تعالى أعاشهم كما أعاشنا، وهو قول الكلبي في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: يعني الوحش والطير [[أخرجه الطبري 14/ 17، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147 أ، الماوردي 3/ 154، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 14، "الدر المنثور" 4/ 178، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفي كل هذه المصادر ورد منسوباً إلى منصور، وفسرها بالوحش فقط، ولم أقف عليه منسوباً إلى الكلبي إلا في "تفسر الفخر الرازي" 19/ 172، والظاهر أنه نقله عن الواحدي.]]، ونحوه قال منصور، ولا يجوز أن يفرد الوحش والطير والدواب عن الإماء والعبيد في هذه الآية؛ لأن (من) لا يكاد يكون لغير ما يعقل، فإذا جمع مع من يعقل، غلب من يعقل بفضيلة العقل، فجاز إيقاع (من) عليهم، وهذا هو الاختيار عند جميع النحويين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 192، "تفسير أبي حيان" 5/ 450، وهذا القول اختاره الطبري وصوَّبه. انظر: "الطبري" 14/ 18.]]. ووجه قول الكلبي، حيث أفرد الوحش والطير والدواب والأنعام: أن (من) لمّا [[في (ش)، (ع): (لها).]] وصفت بالمعاش الذي الغالب عليه أن يُوصفَ الناس به، فيقال: الآدمي يتعيش، ولا يقال: الفرس يتعيش، جرت الهَوَامُ والوَحشُ -لمَّا وُصفت بوصف الناس- مجرى الناس في التسمية، ألا ترى أن علامة جمعها جعلت كعلامة جمع الناس في قوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] و ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]، و ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] وكان وقوع (من) على غير الناس في هذا الموضع كتصيير الواو و [[(الواو) زيادة يقضيها السياق.]] الياء لجمع [[في (أ)، (د): (الجميع)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المناسب للسياق.]] غير الناس حين وصفه بأوصاف الناس. هذا كلام أبي بكر، ومعنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177.]]، وذكر الفراء أن (من) يجوز أن تكون في محل خفض على تقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن، ثم قال: وقلما تَردُّ العربُ حرفًا مخفوضًا على مخفوض قد كُنِّيَ عنه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 86، بنصه تقريباً، وهذه مسألة خلافية بين النحويين؛ فأجازها الكوفيون ومنحها البصريون، ولكلٍ حجته في ما ذهب إليه، والصحيح جواز ذلك؛ لورود القراءة الصحيحة بذلك، والقراءة حجة يجب أن تُخضعَ لها قواعد النحو، ويحُكم بها عليها. انظر: المسألة بالتفصيل في "الإنصاف في مسائل الخلاف" مسألة رقم [65] 2/ 463.]]، وهو جائز على قراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، خفضًا [[وهو حمزة وحده، وقرأ الباقون بالنصب؛ والأرْحَامَ، انظر: "السبعة" ص 226، "الحجة في القراءات" ص 118، "علل القراءات" 1/ 137.]]، وقد ذكرنا ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب