الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ الآية. ذكر الزجاج في نصب (يوم) وجهين؛ أحدهما: أنه صفة لقوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [[وتقديره: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ ذكره الزجاج.]]، والآخر: أنه على معنى ينتقم يوم تبدل [["معاني القرآن وإعرابه"، 3/ 169 بمعناه، حيث قال: وإن شئت أن يكون منصوباً بقوله ذو انتقام.]]، وذكرنا في قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا} [النساء: 56] أن التبديل يقع على معنيين، أحدهما: تبديل العين إلى غيره، والثاني: تبديل الصورةِ والعين قائمة، وقد ذُكر المعنيان في هذه الآية، قال ابن عباس: الأرض هي تلك الأرض، وإنما تُبدل آكامُها وجبالها وأشجارها [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 144 ب بنصه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 308، والفخر الرازي 19/ 146، و"الفريد في الإعراب" 3/ 178، و"تفسير أبي حيان" 5/ 439، و"الدر المصون" 7/ 130، و"تفسير أبي السعود" 5/ 60.]]، ثم أنشد [[نُسب إلى ابن عباس في المصادر السابقة عدا تفسير الفخر الرازي ونُسب إلى عبد الله بن شبيب في "مجالس ثعلب" ص 49.]]: فما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدتُهُم ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ التي كنت أعْرِفُ [[المصادر السابقة نفسها، وتختلف رواية "مجالس ثعلب" في العجز، وهي: وما الدهر بالدهر الذي كنت تعرف]] ونحو هذا روى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها [[في جميع النسخ (فينبشها) والتصويب من الطبري والثعلبي وباقي المراجع.]] ويمدُّها مدَّ الأديم العُكاظيِّ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا" [[الحديث جزء من حديث الصور الطويل، أخرجه الطبري 13/ 252، مختصراً، والطبراني في "معجمه الكبير" 25/ 266، مطولاً، والبيهقي في "البعث" ص 338، مطولاً، وطرفه: (إن الله عَزَّ وَجَلَّ لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور)، وأورده الثعلبي 2/ 144 ب، مختصرًا، وابن كثير 2/ 163، مطولاً، وورد مختصرًا في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 375، والفخر الرازي 19/ 146، و"تفسير القرطبي" 9/ 383، وابن كثير 2/ 599، وأبي السعود 5/ 60، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 534، والحديث ضعيف، وقد ضعفه ابن كثير رحمه الله 2/ 167 ووصفه بالنكارة؛ بسبب تفرد إسماعيل بن رافع وهو مكر الحديث، وأكده أحمد شاكر -رحمه الله- فقال: هو حديث ظاهر النكارة. انظر: "عمدة == التفسير" 1/ 788. حاشية (2) (العكاظي) نسبة إلى سوق عكاظ، (العوج) ما اعوج يمينًا وشمالاً، (الأمت): ما يرتفع مرة ويهبط أخرى. "غريب اليزيدي" ص 250.]]. وقال الحسن: هي هذه الأرض إلا أنها تُغيَّر إلى سورة أخرى [[ورد في معاني القرآن" للنحاس 3/ 545، بمعناه، و"تفسير الطوسي" 6/ 309 بنصه.]]. وأما تبديل السموات فقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وتبديل المموات بأن يزاد فيها وينقص منها [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 375، لكن جعله تفسيرًا لتبديل الأرض لا السماء، حيث قال: إنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وكذلك أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 168وعزاه إلى البيهقي في البعث لم أجده.]]. وقال ابن الأنباري: باختلاف هيئتها؛ كما ذكر الله تعالى أنها مرة كالمهل [[يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: 8].]]، وتكون كالدهان [[يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: 37].]]، وعلى هذا القول معنى التبديلِ في الآية: وتبديلُ الصورةِ باختلاف الهيئةِ، والعينُ كما هي، كما تقول: قد بدلت قميصي جُبة؛ أن تقلبَ العينَ من حال إلى حال أخرى، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: قد يقول: بَدَّل زيدٌ، إذا تغيرت حاله، فمعنى تبديل الأرض: تسيير جبالها وتفجير بحارها، وكونها مستوية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتبديل السموات: انتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها. قال: وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي وتبدل السمواتُ غيرَ السموات [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 169 بنصه.]]، ومثله قال أبو علي: قال وهو كقوله -ﷺ-: لا يُقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده" [["المسائل الحلبيات" ص 74 بنصه دون ذكر الحديث.]] [[أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: باب قود المسلم بالذمي 10/ 99 بنحوه عن الحسن مرسلاً، وأبو داود (4530) كتاب: الديات، إيقاد المسلم بالكافر، (2751) كتاب: الجهاد، باب: في السرية ترد على أملى العسكر، بنصه، وابن ماجه (2658) كتاب: الديات لا يقتل مسلم بكافر، واللفظ له، والنسائي: القَسامة، القود بين الأحرار والمماليك في النفس 8/ 19 بنصه، والحاكم: الفيء لا يقتل مؤمن بكافر 2/ 141 بنصه، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: الجنايات فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدين 8/ 29 بنحوه، كلهم عن علي إلا ابن ماجه عن ابن عباس، وذكره الألباني في "صحيح أبي داود" (2751)، (4530)، و"صحيح النسائي" 3/ 984، و"صحيح ابن ماجه" (2658).]]. المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، كما كان التقدير في الآية؛ والسموات غير السموات، وذهب قوم إلى تبديل العين، فقال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يُسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة [[أخرجه بنصه: عبد الرزاق 2/ 344، موقوفاً على عمرو بن ميمون راوي الحديث عن ابن مسعود والطبري 13/ 250، من طرق، والطبراني في "الكبير" 9/ 232، والحاكم 4/ 570، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 153، وورد بنحوه في معاني النحاس 3/ 544، و"تفسير السمرقندي" 2/ 211، والماوردي 3/ 143، وأورده ابن حجر في "الفتح" 11/ 383، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والبيهقي في الشعب لم أقف عليه، وقال: ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف.]]، ونحو ذلك قال ابن عباس في رواية الكلبي وعطاء [[أخرجه الطبري 13/ 251، من طريق العوفي ضعيفة، ولفظه: فزعم أنها تكون فضة، ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 143 مختصرًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي". برواية عطاء 4/ 376، و"تفسير القرطبي" 9/ 384، وابن كثير 2/ 564.]]. يؤكد هذا ما روى سَهْل بن سَعد عن رسول الله -ﷺ- قال: "يُحْشرُ الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقيّ ليس فيها معلم لأحد" [[أخرجه بنصه البخاري (6521) كتاب: الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، ومسلم (2790) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: صفات المنافقين في البعث والنشور 4/ 2150، والطبري 13/ 250، والطبراني في "الكبير" 6/ 155، 174. (عفراء) العفر: بياض ليس بالناصع، وقيل بياض يضرب إلى حمرة قليلاً، (كقرصة النَقِّي): هو الرغيف المصنوع من الدقيق النقي من الغش والنخالة؛ يسمى الحُوَّارى، (ليس فيها معلم لأحد) قيل إنها مدرجة؛ من كلام سهل -رضي الله عنه- أو غيره، (المَعْلَم):الشيء الذي يُستدل به على الطريق، والمراد: أنها مستوية ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات؛ كالجبل والصخرة البارزة انظر: "فتح الباري" 11/ 382.]]. وقال علي -رضي الله عنه- في هذه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب [[أخرجه الطبري 13/ 251، وفيه (والجنة) بدل (والسماء)، وورد بنصه في "تفسيرالثعلبي" 2/ 144 ب، والماوردي 3/ 144، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 361 - 362، و"ابن الجوزي" 4/ 376، و"تفسير القرطبي" 9/ 384، و"الخازن" 3/ 86، وأبي حيان 5/ 439، وابن كثير 2/ 598، و"الدر المنثور" 4/ 168، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ومذهب أكثر المفسرين؛ عكرمة، ومجاهد، والقرظي، وكعب: على أن هذا التبديل هو تبديل العين [[وقد تعددت أقوالهم في ماهية التبديل على أقوال: فقال مجاهد: تبدل أرضًا بيضاء كأنها الفضة، والسموات كذلك كأنها الفضة. "تفسير مجاهد" 1/ 336، وأخرجه الطبري 13/ 250، وقال كعب: تفسير السموات جناناً، ويصير مكان البحر النار، وتبدل الأرض غيرها. أخرجه الطبري 13/ 252، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 144، والثعلبي 2/ 144 ب، والخازن 3/ 86، وابن كثير 2/ 598، وقال القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. == أخرجه الطبري 13/ 252، وورد في "تفسيرالثعلبي" 2/ 144ب، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 462، وابن الجوزي 4/ 376، وأبي حيان 5/ 439، وابن كثير 2/ 898، والخازن 3/ 86، وقال عكرمة: تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب. أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 169، وعزاه إلى البيهقي في البعث، وهذا القول أي تبديل العين هو الأرجح؛ لموافقته لظاهر الآية، إذ هو الأصل في التبديل، ويعضده الأحاديث الصحيحة والصريحة، وقد رجحه جماعة من المفسرين؛ منهم: الطبري 13/ 254، و"تفسير القرطبي" 9/ 383، و"الجمل في حاشيته على الجلالين" 2/ 534.]]. وسألتْ عائشةُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية وقالت: أين يكون الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط" [[أخرجه بنصه: أحمد 6/ 35، ومسلم (2791) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: في البعث والنشور، والترمذي (3121) التفسير، باب من سورة إبراهيم، وابن ماجه (4279): كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث، والطبري 7/ 482 بعدة روايات، والحاكم في المستدرك: التفسير، سورة إبراهيم 2/ 88، وورد بنصه في: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 545، و"تفسير السمرقندي" 2/ 212، والثعلبى 2/ 145 أ.]] قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أىِ ظهروا وخرجوا من قبورهم، وهو كقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: 21] وقد مرّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب