الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية، في هذه الآية طريقان: أحدهما: وهو طريق المفسرين أن (لولا) معناها [[في (م): (معناه).]] النفي، قال أبو مالك صاحب ابن عباس: كل ما في كتاب الله من ذكر (لولا) فمعناها: (هلَّا)، إلا حرفين ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ معناها: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [هود: 116] معناه فما كان من القرون [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 572، ونسبه لابن أبي حاتم، ورواه ابن أبي حاتم في تفسير سورة يونس 6/ 1987 مختصرًا.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس: قال: يريد لم أفعل هذا بأمة قط ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ عند نزول العذاب، كشفنا عنهم العذاب [[ساقط من (م) و (ى).]] [["الوسيط" 2/ 560، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 171 من رواية عطاء الخراساني، ورواه أيضًا ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 572.]]. وقال قتادة في هذه الآية: لم يكن هذا معروفًا لأمة من الأمم؛ كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم، إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم [[رواه بنحوه ابن جرير 11/ 170 - 172، وابن أبي حاتم 6/ 1988، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 572.]]. وقال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل [["تفسير مقاتل" ص 143 أ.]]. وقال ابن الأنباري [[ذكر قوله مختصرًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 67.]]: كشف الله عنهم العذاب وقَبِل توبتهم لما علم من حسن نيتهم وأنهم يقيمون على شكره وحمده، ولا يزالون يوحدونه ويعبدونه ويتأسفون [[في (ح) و (ز): (ينافسون)، وهو خطأ.]] على ما فرط [[في (ى) فرطوا، وهو خطأ، ومعنى فرط: سبق وتقدم. انظر: "لسان العرب" (فرط) 6/ 3389.]] منهم من الكفر، بخلاف ما علم من سوء نيات الأمم المهلكين، يدل على صحة ما ذكرنا [[في (ى): (هذا).]] ما روي عن ابن مسعود أنه قال: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم حتى إن كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه [[في (م): (فيقلعه)، وما أثبته موافق لما في "تفسير القرطبي".]] فيرده [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 384، وبنحوه الزمخشري 2/ 254، والرازي 17/ 165، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 170 - 172، وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 573.]]. وانتصب قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ على أنه استثناء منقطع من الأول؛ لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها، ووقع استثناء القوم من القرية فكان كقوله [[هو النابغة الذبياني وما ذكره المؤلف بعض بيتين نصهما: وقفت فيها أصيلالًا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواريّ لأيًا ما أبينها ... والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجلد انظر: "ديوانه" ص 9، "إصلاح المنطق" ص 47، "الإنصاف" ص 234، "خزانة الأدب" 4/ 122، "كتاب سيبويه" 2/ 321. وقوله: اصيلالاً: أي عشاء، وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأُصْلان (بضم فسكون) ثم صغروه فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا فقالوا: أُصيلالا. قوله: عيت: أي عجزت عن الكلام. والأوارى: جمع آريّ: وهو محبس الدابة. ولأيًا: أي بعد جهد وإبطاء. والنؤْي: الحاجز من تراب حول البيت.= والمظلومة: الأرض التي حفرت ولم تكن حفرت من قبل، وهو يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض. والجلد: الأرض الصلبة المستوية المتن الغليظة. انظر: "لسان العرب" (أصل وعيى وأري ولأي وظلم وجلد).]]: وما بالربع من أحد إلا أواريَّ ................. وذكر صاحب النظم أوجهًا سوى هذا، وهو أنه قال: معنى (لولا): هلا، وهلا: حث على الشيء، ويكون تبكيتًا وتنديمًا على فأئت، وفي ذلك دليل بالاعتبار على أنه لم يكن، فقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أي: لم تكن آمنت عند حلول العذاب فنفعها إيمانها، ثم استثنى قوم يونس فقال: (إلا قوم يونس) [[ساقط من (م).]] وإنما نصب وقبله معنى جحد ونفي؛ لأنه لم يجىء على لفظ [النفي والجحد، وإنما جاء على لفظ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] التبكيت والخبر، ولو كان نفيًا خالصًا لكان رفعًا، قال: وقد يكون نصبه على أن الكلام تم وانقطع عن قوله: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ثم جاء قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ بعد التمام كما نصب [من قرأ (ما فعلوه إلا قليلا منهم) [النساء: 66] بالنصب [[وهي قراءة ابن عامر وحده، وكذا هو في مصحف الشام. انظر كتاب "السبعة" ص 235، "إرشاد المبتدي" ص 285، "النشر" 2/ 250.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]، وقد شرحنا وجه النصب هناك [[السياق يدل على أن القائل هو الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وقد شرح المؤلف وجه النصب عند تفسير الآية، فهي جملة اعتراضية من المؤلف.]] وأنه إنما يجوز النصب بعد النفي إذا كان ما قبله كلامًا تامًا كقولك ما مر بي أحدٌ إلا زيدًا، [ولا يجوز ما مر بي إلا زيدًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]]، قال: وقد قيل إن نصبه علي أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ على تأويل: لم ينفع قرية آمنت إيمانها إلا قوم يونس، أي: أن الإيمان نفع قوم يونس لما آمنوا. هذا الذي ذكرنا طريقة المفسرين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 479، "تفسير ابن جرير" 11/ 170 - 172، والسمرقندي 2/ 111، والثعلبي 7/ 28 ب، والبغوي 4/ 151.]]. الثاني: وهو طريقة الزجاج، وذكرها ابن الأنباري أيضاً، وهو أن معنى الآية حث على الإيمان حين ينفع الإيمان، يقول [[يعني الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 34، ولم أقف على قول ابن الأنباري.]]: هلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم الإيمان. وهذا تبكيت لفرعون؛ لأنه آمن لما أدركه الغرق فلم ينفعه، يدل على صحة هذا المعنى أن هذه الآية ذكرت عقيب قصته، وعلى هذا (لولا) يكون على ما هو موضوع له. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾، قال الزجاج: وقوم يونس -والله أعلم- لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب فلما آمنوا كشف عنهم، ومثل ذلك العليل الذي يتوب في مرضه وهو يرجو في مرضه العافية ويخاف [[في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع: ولا يخاف، والصحيح ما أثبته المؤلف، بل إن توبة المريض صحيحة ولو لم يرج العافية، ما لم يغرغر وتبلغ روحه حلقومه، == وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18]، وقول الرسول ﷺ "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، رواه الترمذي (3537) كتاب الدعوات، باب: في فضل التوبة، وقال: حسن غريب. رواه أيضًا أحمد في "المسند" 2/ 132، والحاكم في "المستدرك" 4/ 257، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني كما في "صحيح الجامع الصغير" (1903). انظر: "تفسير الطبري" 11/ 170 - 172، "شرح صحيح مسلم" 1/ 213، "تفسير القرطبي" 5/ 92، "محاسن التأويل" 5/ 1155. وكلام الزجاج هذا في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 34.]] الموت فتوبته صحيحة. وقال ابن الأنباري: قوم يونس تابوا [[في (ح) و (ز): (قالوا)، وهو خطأ.]] بعد آية ظهرت لهم تدل على قرب العذب، ولو عاين القوم العذاب كانت قصتهم في الهلكة قصة عاد وثمود، وعلى هذا قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ من الاستثناء المنقطع؛ معناه: لكن قوم يونس لما آمنوا في وقت ينفعهم الإيمان ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [قال ابن عباس: يريد: سخط الله في الحياة الدنيا [["الوسيط" 2/ 560.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]، وقال أهل المعاني: عذاب الهوان [[في (م): (الهون).]] الذي يفضح صاحبه [[لم أقف عليه عند أهل المعاني، وانظر القول بنحوه في: "بحر العلوم" 2/ 112، "زاد المسير" 4/ 65.]]، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، قال ابن عباس: يريد حين آجالهم [["الوسيط" 2/ 560، وبمعناه رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1990.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب