الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ذكرنا معنى ﴿بَوَّأْنَا﴾ عند قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ [آل عمران: 121]، وقال أبو زيد: بوأت فلانًا منزلًا تبوئةً وتبوُّئًا [[في "تهذيب اللغة"، "اللسان": تبويئًا.]]، والاسم: البيئة [[في "تهذيب اللغة" المباءة.]] [["تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246، "لسان العرب" (بوأ) 1/ 382 هع اختلاف يسير.]]، وقال أبو علي: قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يجوز أن يكون مصدرًا، أي تبوّؤ [[في (م): (تبؤى)، وفي بقية النسخ: (تبوي)، وآثرت الرسم المثبت لمناسبته للحركة، وانظر: "الحجة" 4/ 310، وكلام المحقق في الحاشية رقم (2).]] صدق، ويكون المفعول الثاني محذوفًا، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا فيجعل المبوأ اسمًا غير ظرف كما قال الشاعر [[اختلف في قائل هذا البيت، فهو في "ديوان جرير" ص 486، وهو للأخطل في "الأغاني" 8/ 28، "خزانة الأدب" 1/ 460، "سمط اللآلي" ص 854، "العقد الفريد" 3/ 360، وليس في "ديوان الأخطل". وله أو لعتبة بن الوغل في "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 378. والبيت لعتبة بن الوغل في "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص 84، ونسب أيضاً لكعب ابن جعيل في "خزانة الأدب" 1/ 460، وهو من شواهد سيبويه 1/ 417 بلا نسبة.]]: وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 4/ 310.]] ومعنى (صدق) هاهنا أن العرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق؛ لأن الصدق محمود في الأحوال كلها؛ فتقول: رجل صدق؛ [وقدم صدق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]]، وفلان صديقك الصدق [[في (ى): (صدق). وانظر: "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1990 - 1991.]]. وقال بعض أهل المعاني: معناه أن هذا المنزل يصدق فيما يدل عليه من جلالة النعمة [[لم أقف عليه.]]، قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: يريد: قريظة والنضير وبني قينقاع، ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾، قال: يريد: أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، قال: يريد: من أرض يثرب من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذي ليس في البلاد مثلها طيبًا [["الوسيط" 2/ 559، "مفاتيح الغيب" 17/ 165.]]. وقال بعض أهل المعاني: قد دلت الآية على اتساع أرزاقهم [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا التفسير يريد ببني إسرائيل: اليهود الذين كانوا في زمان النبي ﷺ، وذهب قوم إلى أنه أراد الذين كانوا في زمن موسى فمن بعدهم فقالوا في قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يعني الشام ومصر [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 166، والسمرقندي 2/ 110، والثعلبي 7/ 27 أ، والبغوي 4/ 149، وابن الجوزي 4/ 63.]]، وهو قول الضحاك [[رواه ابن جرير 11/ 166، وابن أبي حاتم 6/ 1985، والثعلبي 7/ 27 أ، والبغوي 4/ 149.]]. وقال قتادة: الشام وبيت المقدس [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 297، وابن جرير 11/ 166، وابن أبي حاتم 6/ 1985.]]. وقال الحسن: مصر، وهو منزل صالح خصيب آمن [[ذكره مختصرًا هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 207.]]، والصحيح قول ابن عباس؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ من صفة الذين كانوا في عهد النبي ﷺ [[وإلى هذا ذهب ابن جرير 11/ 167، والثعلبي 7/ 27/ أ، والبغوي 4/ 150، وغيرهم. وذهب السمرقندي 2/ 110، والزمخشري 2/ 252، وابن عطية 7/ 216، والرازي 17/ 159 إلى أن هذا من صفة اليهود السابقين الذين كانوا على عهد موسي -عليه السلام- والمعني: ما اختلف بنو إسرائيل في دينهم وما تفرقوا فيه إلا من == بعد ما جاءهم العلم بالدين الحق عن طريق التوراة وتعاليم موسى، وعلموا أن الاختلاف مذموم، فهو اختلاف عناد ومكابرة وإعراض عن الحق.]]، فكذلك ما قبله. وعلى [[في (ح) و (ز): (فعلى)، والصواب ما أثبته.]] قول هؤلاء يحمل أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص [[بل من حمل أول الآية على العموم وقال إن المراد هم جميع بني إسرائيل الذين على عهد موسى -عليه السلام-، حمل آخرها أيضًا على العموم وقال بأن المختلفين هم قوم موسى، انظر المراجع السابقة، نفس المواضع.]]، ومعنى ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ أي: في تصديق النبي ﷺ وأنه نبي حق مبعوث [[هذا على قول ابن عباس المذكور ومن وافقه في المراد ببني إسرائيل، أما من قال بالعموم فقد حمل الاختلاف المذكور على العموم، قال السمرقندي 2/ 110: فما اختلفوا في الدين حتى جاءهم البيان، يعني جاءهم موسى -عليه السلام- بعلم التوراة. وقال الزمخشري 2/ 252: (فما اختلفوا) في دينهم وما تشعبوا فيه شعبًا إلا من بعد ما قرءوا التوراة وكسبوا العلم بدين الحق، ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرق عنه. وقال ابن عطية 7/ 216: إن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرف فرعون اختلفوا.]]. قال المفسرون: كانوا يخبرون بمبعث محمد [[في (ى): (النبي).]] ﷺ، ويفخرون على سائر الناس بما يعلمونه من صدقه وخروجه والدخول في جملته، حتى بُعث فكذبوه حسدًا وبغيًا وإيثارًا لبقاء الرئاسة، وآمن فريق منهم وصدقه، فذلك اختلافهم حين جاءهم العلم [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 167، والثعلبي 7/ 27 ب، والبغوي 4/ 150، وابن الجوزي 4/ 63.]]. قال ابن عباس: يريد القرآن الذي جاء به محمد ﷺ [["الوسيط" 2/ 559، "زاد المسير" 4/ 63، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 219 بنحوه.]] وعلى هذا، القرآن سمي علمًا؛ لأنه دليل مؤد إلى العلم، وقال الفراء: العلم يعني به محمدًا ﷺ وصفته [["معاني القرآن" 1/ 478.]]، وعلى هذا أريد بالعلم المعلوم، وذلك أنهم كانوا يعملونه قبل خروجه بنعته وصفته حق العلم، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة أهل التأويل [[يعني الذين ذهبوا مذهبه في المراد ببني إسرائيل هنا، وقد سبق ذكر الخلاف.]]. وقال الحسن [[ساقط من (ح) و (ز) ولم أقف على قوله، وقد ذكر هذا القول بلا نسبة الرازي في "تفسيره" 17/ 159.]] وابن زيد [[روى قوله ابن جرير 11/ 67 بمعناه.]]: قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يعني أنهم كانوا قبل مبعث محمد ﷺ كانوا كفارًا كلهم، حتى جاءهم العلم فاختلفوا بأن آمن فريق وكفر فريق، فنفي الاختلاف في القول الأول يعود إلى التصديق بمحمد ﷺ قبل مبعثه، وفي قول الحسن وابن زيد نفي الاختلاف عن كفرهم ثم ظهر الاختلاف بإيمان بعضهم، والقول هو الأول. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: من أمرك [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 559 بلا نسبة.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب