الباحث القرآني

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ (p-١١٧)كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٩] ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] . التَّضَرُّعُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ: ضَرَعَ يَضْرَعُ ضَراعَةً؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ. صَدَفَ عَنِ الشَّيْءِ أعْرَضَ عَنْهُ صَدْفًا وصُدُوفًا وصادَفْتُهُ؛ لَقِيتُهُ عَنْ إعْراضٍ عَنْ جِهَتِهِ؛ قالَ ابْنُ الرِّقاعِ: ؎إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ صُدُفٌ جَمْعُ صَدُوفٍ، كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وقِيلَ: صَدَفٌ مالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّدَفِ في البَعِيرِ، وهو أنْ يَمِيلَ خُفُّهُ مِنَ اليَدِ إلى الرِّجْلِ مِنَ الجانِبِ الوَحْشِيِّ. والصَّدَفَةُ واحِدَةُ الصَّدَفِ، وهي المَحارَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الدُّرُّ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وزادَها عَجَبًا أنْ رُحْتُ في سَمَكٍ ∗∗∗ وما دُرْتُ دَوَرانَ الدُّرِّ في الصَّدَفِ الخَزانَةُ ما يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ مَخافَةَ أنْ يُنالَ، ومِنهُ فَإنَّما يَخْزُنُ لَهم ضُرُوعُ مَواشِيهِمْ أطَعِماتِهِمْ، أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ تُؤْتى مَشْرَبَتُهُ، فَتُكْسِرَ خَزانَتُهُ، وهي بِفَتْحِ الخاءِ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎إذا المَرْءُ لَمْ يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ عَلى شَيْءٍ سِواهُ بِخَزّانِ الطَّرْدُ؛ الإبْعادُ بِإهانَةٍ، والطَّرِيدُ؛ المَطْرُودُ، وبَنُو مَطْرُودٍ وبَنُو طِرادٍ؛ فَخْذانِ مِن إيادٍ. ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ إنَّما يَسْتَجِيبُ لِلْإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ وإصْغاءٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . ويَسْتَجِيبُ بِمَعْنى يُجِيبُ. وفَرَّقَ الرُّمّانِيُّ بَيْنَ (أجابَ) و(اسْتَجابَ) بِأنِ (اسْتَجابَ) فِيهِ قَبُولٌ لِما دُعِيَ إلَيْهِ. قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، ولَيْسَ كَذَلِكَ (أجابَ)؛ لِأنَّهُ قَدْ يُجِيبُ بِالمُخالَفَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَحْرِصُ عَلى أنْ يُصَدِّقُوكَ، بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ، وإنَّما يَسْتَجِيبُ مَن يَسْمَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا مِنَ النَّمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَّسْلِيَةِ؛ أيْ لا تَحْفُلُ بِمَن أعْرَضَ، فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ الآياتِ، ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِيَسْمَعُونَ، إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ والآياتِ المُعْجِزَةِ. وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُّوفِيَّةُ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا، قالُوا: اسْتَمَعَ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ المَوْتَ هُنا والبَعْثَ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّ المَوْتى عَلى العُمُومِ مِن مُسْتَجِيبٍ وغَيْرِ مُسْتَجِيبٍ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وجاءَ لَفْظُ المَوْتى عامًّا لِإشْعارِ ما قَبْلَهُ بِالعُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، إذِ الحَصْرُ يُشْعِرُ بِالقِسْمِ الآخَرِ، وهو أنَّ مَن لا يَسْمَعُ سَماعَ قَبُولٍ، لا يَسْتَجِيبُ لِلْإيمانِ، وهُمُ الكُفّارُ. وصارَ في الإخْبارِ عَنِ الجَمِيعِ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى جَزاءِ اللَّهِ تَعالى تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن لَمْ يَسْتَجِبْ. وتَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ والمَوْتى؛ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ. سُمُّوا بِالمَوْتى كَما سُمُّوا بِالصُّمِّ والبُكْمِ والعُمْيِ (p-١١٨)وتَشْبِيهُ الكافِرِ بِالمَيِّتِ مِن حَيْثُ إنَّ المَيِّتَ جَسَدُهُ خالٍ عَنِ الرُّوحِ، فَيَظْهَرُ مِنهُ النَّتَنُ والصَّدِيدُ والقَيْحُ، وأنْواعُ العُفُوناتِ. وأصْلَحُ أحْوالِهِ دَفْنُهُ تَحْتَ التُّرابِ. والكافِرُ رُوحُهُ خالِيَةٌ عَنِ العَقْلِ، فَيَظْهَرُ مِنهُ جَهْلُهُ بِاللَّهِ تَعالى، ومُخالَفاتُهُ لِأمْرِهِ، وعَدَمُ قَبُولِهِ لِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ. وإذا كانَتْ رُوحُهُ خالِيَةً مِنَ العَقْلِ كانَ مَجْنُونًا، فَأحْسَنُ أحْوالِهِ أنْ يُقَيَّدَ ويُحْبَسَ. فالعَقْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ كالرُّوحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَسَدِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارَ، فَقِيلَ: البَعْثُ يُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ مِنَ الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. والرُّجُوعُ هو رُجُوعُهم إلى سَطْوَتِهِ وعِقابِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةً الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ. وقِيلَ: المَوْتُ والبَعْثُ حَقِيقَةٌ، والجُمْلَةُ مَثَلٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى إلْجائِهِمْ إلى الِاسْتِجابَةِ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْعَثُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَكانَ قادِرًا عَلى هَؤُلاءِ المَوْتى بِالكُفْرِ أنْ يُحْيِيَهم بِالإيمانِ، وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: المَوْتُ والبَعْثُ مَجازانِ، اسْتُعِيرَ المَوْتُ لِلْكُفْرِ، والبَعْثُ لِلْإيمانِ. فَقِيلَ: الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ والمَوْتى بِالكُفْرِ يُحْيِيهِمُ اللَّهُ بِالإيمانِ. وقِيلَ: لَيْسَ جُمْلَةً، بَلِ المَوْتى مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَعْنى إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ، فَيُؤْمِنُونَ بِأوَّلِ وهْلَةٍ، والكُفّارُ حَتّى يُرْشِدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ويُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ، ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ. وقُرِئَ، ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، بِفَتْحِ الياءِ مِن (رَجَعَ) اللّازِمِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب