الباحث القرآني
﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] أيْ: عَنْ وسَطِ السَّبِيلِ وقَصْدِهِ، أيْ: هم حائِرُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى مُسْتَقِيمِ الطَّرِيقِ.
﴿وإذا جاؤُكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في جاءُوكم لِلْيَهُودِ والمُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ وخاصَّةً بِالمُنافِقِينَ مِنهم؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. إذْ ظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: وإذا جاءُوكم أهْلُهم أوْ نِساؤُهم. وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِنا: أنْ يَكُونَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ إلى آخِرِهِ عِبارَةً عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٥٩] وأنَّهُ مِمّا وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ، فَلا يَحْتاجُ هَذا إلى حَذْفِ مُضافٍ.
كانَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، يُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ كَما دَخَلُوا، لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ (p-٥٢١)مِمّا سَمِعُوا مِن تَذْكِيرٍ ومَوْعِظَةٍ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ في جاءُوكم لِلرَّسُولِ، ﷺ، وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ حالانِ، وبِالكُفْرِ، وبِهِ حالانِ أيْضًا؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ. ولِذَلِكَ دَخَلَتْ قَدْ تَقْرِيبًا لَها مِن زَمانِ الحالِ ولِمَعْنًى آخَرَ وهو: أنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُتَوَقِّعًا لِإظْهارِ ما تَكَتَّمُوهُ، فَدَخَلَ حَرْفُ التَّوَقُّعِ وخالَفَ بَيْنَ جُمْلَتَيِ الحالِ اتِّساعًا في الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: وهم، تَخْلِيصٌ مِنِ احْتِمالِ العِبارَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ، فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ. انْتَهى. والعامِلُ في الحالَيْنِ آمَنّا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهَذِهِ حالُهم. وقِيلَ: مَعْنى هم لِلتَّأْكِيدِ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنَ الرَّسُولِ ما يُوجِبُ كُفْرَهم مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِ لَهم، بَلْ كانَ يَلْطُفُ بِهِمْ ويُعامِلُهم بِأحْسَنِ مُعامَلَةٍ. فالمَعْنى: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ، لا أنَّكَ أنْتَ الَّذِي تَسَبَّبْتَ لِبَقائِهِمْ في الكُفْرِ. والَّذِي نَقُولُ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الواقِعَةَ حالًا المُصَدَّرَةَ بِضَمِيرِ ذِي الحالِ المُخْبَرَ عَنْها بِفِعْلٍ أوِ اسْمٍ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ ذِي الحالِ - آكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، مِن جِهَةِ أنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ: قامَ زَيْدٌ زَيْدٌ. ولَمّا كانُوا حِينَ جاءُوا الرَّسُولَ أوِ المُؤْمِنِينَ قالُوا: آمَنّا مُلْتَبِسِينَ بِالكُفْرِ، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ لا يَخْرُجُوا بِالكُفْرِ، لِأنَّ رُؤْيَتَهُ، ﷺ، كافِيَةٌ في الإيمانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ حِينَ رَأى الرَّسُولَ: عَلِمْتُ أنَّ وجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ، مَعَ ما يَظْهَرُ لَهم مِن خَوارِقِ الآياتِ وباهِرِ الدِّلالاتِ، فَكانَ المُناسِبُ أنَّهم وإنْ كانُوا دَخَلُوا بِالكُفْرِ أنْ لا يَخْرُجُوا بِهِ، بَلْ يَخْرُجُونَ بِالرَّسُولِ مُؤْمِنِينَ ظاهِرًا وباطِنًا. فَأكَّدَ وصْفَهم بِالكُفْرِ بِأنْ كَرَّرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِهِمْ بِالكُفْرِ وتَمادِيهِمْ عَلَيْهِ، وأنَّ رُؤْيَةَ الرَّسُولِ لَمْ تُجْدِ عَنْهم، ولَمْ يَتَأثَّرُوا لَها. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ضَمِيرُ الخِطابِ في: وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُؤْمِنُوا ظاهِرًا وباطِنًا لِما يَرَوْنَ مِنِ اخْتِلافِ المُؤْمِنِينَ وتَصْدِيقِهِمْ لِلرَّسُولِ، والِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ حالُ مَن يَنْبَغِي مُوافَقَتُهُ. وكانَ يَنْبَغِي إذْ شاهَدُوهم أنْ يَتَّبِعُوهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إيمانُهم بِالقَوْلِ مُوافِقًا لِاعْتِقادِ قُلُوبِهِمْ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَجِيءِ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ، إنْ كانَتِ الواوُ في: وهم، واوَ حالٍ، لا واوَ عَطْفٍ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ إلّا في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّخُولَ والخُرُوجَ حَقِيقَةٌ. وقِيلَ: هَمّا اسْتِعارَةٌ؛ والمَعْنى: تَقَلَّبُوا في الكُفْرِ؛ أيْ: دَخَلُوا في أحْوالِهِمْ مُضْمِرِينَ الكُفْرَ وخَرَجُوا بِهِ إلى أحْوالٍ أُخَرَ مُضْمِرِينَ لَهُ، وهَذا هو التَّقَلُّبُ. والحَقِيقَةُ في الدُّخُولِ انْفِصالٌ بِالبَدَنِ مِن خارِجِ مَكانٍ إلى داخِلِهِ، وفي الخُرُوجِ انْفِصالٌ بِالبَدَنِ مِن داخِلِهِ إلى خارِجِهِ.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ: مِن كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. وقِيلَ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ونَعْتِهِ؛ وفي هَذا مُبالَغَةٌ في إفْشاءِ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ والكَيْدِ والعَداوَةِ.
{"ayah":"وَإِذَا جَاۤءُوكُمۡ قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُوا۟ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُوا۟ یَكۡتُمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











