الباحث القرآني

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ هو نَبِيُّهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] والأُمَّةُ هُنا مَن بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ مِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ. لَمّا أعْلَمَ تَعالى بِعَدْلِهِ وإيتاءِ فَضْلِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ نُبِّهَ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَحْضُرُونَها لِلْجَزاءِ ويَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فِيها. و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ مُبْتَدَأً، التَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ السّابِقِ ذِكْرُهم، أوْ كَيْفَ صُنْعُهم. وهَذا المُبْتَدَأُ هو العامِلُ في إذا، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ فِعْلًا أيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ، أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ. والفِعْلُ أيْضًا هو العامِلُ في إذا. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيٍّ: أنَّ العامِلَ في (كَيْفَ) (جِئْنا) . قالَ: وهو خَطَأٌ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيعِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: إلى الكُفّارِ. وقِيلَ: إلى اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ وشَهادَتُهُ بِالتَّبْلِيغِ لِأُمَّتِهِ قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. أوْ بِإيمانِهِمْ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ بِأعْمالِهِمْ قالَهُ: مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّهادَةَ تَكُونُ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: وجِئْنا بِكَ لِهَؤُلاءِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ الزَّجّاجِيُّ: يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ، وحُذِفَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الجارِّ والمَجْرُورِ فاخْتُصِرَ، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ عَلى أُمَّتِهِ. وظاهِرُ المُقابَلَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ لا لَهم، ولا يَكُونُ عَلَيْهِمْ إلّا والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ كانُوا مُنْكِرِينَ مُكَذِّبِينَ بِما شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِهِ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ، وكَذَلِكَ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ذَرَفَتْ عَيْناهُ وبُكاؤُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو إشْفاقٌ عَلى أُمَّتِهِ ورَحْمَةٌ لَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقِيلَ: حالٌ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدْ جِئْنا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب