الباحث القرآني

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١] . نُوحٌ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَصْرُوفٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ما كانَ يَقْتَضِي مَنعَ صَرْفِهِ، وهو: العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ الشَّخْصِيَّةُ؛ وذَلِكَ لِخِفَّةِ البِناءِ بِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ سَبَبٌ آخَرُ، ومَن جَوَّزَ فِيهِ الوَجْهَيْنِ فَبِالقِياسِ عَلى هَذا لا بِالسَّماعِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّواحِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ العُجْمَةَ لا يَدْخُلُ فِيها الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ إلّا أنِ ادَّعى أنَّهُ مِمّا اتَّفَقَتْ فِيهِ لُغَةُ العَرَبِ ولُغَةُ العَجَمِ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. ويُسَمّى آدَمَ الثّانِيَ، واسْمُهُ السَّكَنُ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو ابْنٌ لِمَلِكِ بْنِ مُتَوَشْلَخَ بْنِ أخْنُوخَ بْنِ سارِدَ بْنِ مَهْلابِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. عِمْرانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لامْتَنَعَ أيْضًا لِلْعَلَمِيَّةِ، وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ؛ إذْ كانَ يَكُونُ اشْتِقاقُهُ مِنَ العُمْرِ واضِحًا. مُحَرَّرًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن ”حَرَّرَ“، ويَأْتِي اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ، في مَدْلُولِهِ في الآيَةِ، والتَّحْرِيرُ: العِتْقُ، وهو تَصْيِيرُ المَمْلُوكِ حُرًّا. الوَضْعُ: الحَطُّ والإلْقاءُ، تَقُولُ: وضَعَ يَضَعُ وضْعًا وضَعَةً، ومِنهُ المَوْضِعُ. الأُنْثى والذَّكَرُ: مَعْرُوفانِ، وألِفُ أُنْثى لِلتَّأْنِيثِ، وجُمِعَتْ عَلى إناثٍ، كَرُبى ورَبابٍ، وقِياسُ الجَمْعِ: أُناثى، كَحُبْلى وحُبالى. وجَمْعُ الذَّكَرِ: ذُكُورٌ وذُكْرانٌ. مَرْيَمُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقِيلَ عَرَبِيٌّ جاءَ شاذًّا: كَمَدْيَنَ، وقِياسُهُ: مَرامٍ كَمَنالٍ، ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ الَّتِي تُغازِلُ الفِتْيانَ، قالَ (p-٤٣٣)الرّاجِزُ: . ؎قُلْتُ لِزَيْدٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ عاذَ بِكَذا: اعْتَصَمَ بِهِ، عَوْذًا وعِياذًا أوْ مُعاذًا أوْ مُعاذَةً ومَعْناهُ: التَجَأ واعْتَصَمَ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ العَوْذِ، وهو: عَوْذٌ يَلْجَأُ إلَيْهِ الحَشِيشُ في مَهَبِّ الرِّيحِ. رَجَمَ: رَمى وقَذَفَ، ومِنهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] أيْ: رَمْيًا بِهِ مِن غَيْرِ تَيَقُّنٍ، والحَدِيثُ المُرْجَمُ هو: المَظْنُونُ لَيْسَ فِيهِ يَقِينٌ. والرَّجِيمُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِن فاعِلٍ، أيْ: إنَّهُ يَرْمِي ويَقْذِفُ بِالشَّرِّ والعِصْيانِ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَرْجُومٌ، أيْ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ أوْ يُبْعَدُ ويُطْرَدُ. الكَفالَةُ: الضَّمانُ، يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ فَهو كافِلٌ وكَفِيلٌ، هَذا أصْلُهُ ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلضَّمِّ والقِيامِ عَلى الشَّيْءِ. زَكَرِيّا: أعْجَمِيٌّ شُبِّهَ بِما فِيهِ الألِفُ المَمْدُودَةُ والألِفُ المَقْصُورَةُ فَهو مَمْدُودٌ ومَقْصُورٌ، ولِذَلِكَ يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ نَكِرَةً، وهاتانِ اللُّغَتانِ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَوْ كانَ امْتِناعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ انْصَرَفَ نَكِرَةً. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ، وهو غَلَطٌ مِنهُ، ويُقالُ: ذِكْرى بِحَذْفِ الألِفِ، وفي آخِرِهِ ياءٌ كَياءِ بُخْتِيٍّ، مُنَوَّنَةٌ فَهو مُنْصَرِفٌ، وهي لُغَةُ نَجْدَ، ووَجْهُهُ فِيما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ إنَّهُ حَذَفَ ياءَيِ المَمْدُودِ والمَقْصُورِ، وألْحَقَهُ ياءَيِ النَّسَبِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صَرْفُهُ، ولَوْ كانَتِ الياءانِ هُما اللَّتَيْنِ كانَتا في زَكَرِيّا؛ لَوَجَبَ أنْ لا يَصْرَفَ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ حُكِيَ: ذُكَرُ عَلى وزْنِ: عُمَرُ، وحَكاها الأخْفَشُ. المِحْرابُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَيِّدُ المَجالِسِ وأشْرَفُها ومُقَدِّمُها، وكَذَلِكَ هو مِنَ المَسْجِدِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الغُرْفَةُ؛ وقالَ: ؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذُكِّرْتُ أوْ أنْسا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في غُرَفٍ أقْيالٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَوْضِعُ العالِي الشَّرِيفُ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: القَصْرُ، لِشَرَفِهِ وعُلُوِّهِ. وقِيلَ: المَسْجِدُ. وقِيلَ: مِحْرابُهُ المَعْهُودُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِتَحارُبِ النّاسِ عَلَيْهِ وتَنافُسِهِمْ فِيهِ، وهو مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. هُنا: اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ القَرِيبِ، والتَزَمَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إلّا أنَّهُ يُجَرُّ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَإنْ ألْحَقْتَهُ كافَ الخِطابِ دَلَّ عَلى المَكانِ البَعِيدِ. وبَنُو تَمِيمٍ تَقُولُ: هُناكَ، ويَصِحُّ دُخُولُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ إذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ اللّامُ، وقَدْ يُرادُ بِها ظَرْفُ الزَّمانِ. النِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وفُلانٌ أنْدى صَوْتًا، أيْ: أرْفَعُ، ودارُ النَّدْوَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا تَرْتَفِعُ أصْواتُهم بِها، والمُنْتَدى والنّادِي مُجْتَمَعُ القَوْمِ مِنهُ، ويُقالُ: نادى مُناداةً ونِداءً ونُداءً، بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها، قِيلَ: فَبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وبِالضَّمِّ اسْمٌ، وأكْثَرُ ما جاءَتِ الأصْواتُ عَلى الضَّمِّ: كالدُّعاءِ والرُّغاءِ والصُّراخِ، وقالَ يَعْقُوبُ: يُمَدُّ مَعَ كَسْرِ النُّونِ، ويُقْصَرُ مَعَ ضَمِّها. والنَّدى: المَطَرُ، يُقالُ مِنهُ: نَدى يَنْدى نَدًى. يَحْيى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ امْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ مِن: حَيِيَ، سُمِّيَ بِهِ فامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وعَلى القَوْلَيْنِ يُجْمَعُ عَلى: يَحْيَوْنَ، بِحَذْفِ الألِفِ وفَتْحِ ما قَبْلَها، عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ ونُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ: إنْ كانَ عَرَبِيًّا فُتِحْتِ الياءُ، وإنْ كانَ أعْجَمِيًّا ضُمَّتِ الياءُ. سَيِّدٌ: فَيْعِلٌ مِن سادَ، أيْ فاقَ في الشَّرَفِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا، وجَمْعُهُ عَلى فَعْلَةٍ، فَقالُوا: سادَةٌ، شاذٌّ. وقالَ الرّاغِبُ: هو السّايِسُ بِسَوادِ النّاسِ، أيْ: مُعْظَمِهِمْ، ولِهَذا يُقالُ: سَيِّدُ العَبْدِ، ولا يُقالُ سَيِّدُ الثَّوْبِ انْتَهى. الحَصُورُ: فَعُولٌ مِنَ الحَصْرِ، وهو لِلْمُبالَغَةِ مِن حاصَرَ. وقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَحْصُورٍ، وهو في الآيَةِ بِمَعْنى الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. الغُلامُ: الشّابُّ مِنَ النّاسِ، وهو الَّذِي طَرَّ شارِبَهُ، ويُطْلَقُ عَلى الطِّفْلِ، عَلى سَبِيلِ التَّفاؤُلِ، وعَلى الكَهْلِ. ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: ؎شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي ∗∗∗ بِها غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها تَسْمِيَةٌ بِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الكُهُولَةِ، وهو مِنَ الغُلْمَةِ والِاغْتِلامِ، وذَلِكَ شِدَّةُ طَلَبِ النِّكاحِ. ويُقالُ: اغْتَلَمَ الفَحْلُ: هاجَ مِن شِدَّةِ شَهْوَةِ الضِّرابِ، واغْتَلَمَ البَحْرُ: هاجَ وتَلاطَمَتْ أمْواجُهُ، وجَمْعُهُ عَلى غُلْمَةٍ شاذٌّ، (p-٤٣٤)وقِياسُهُ في القِلَّةِ: أغْلِمَةٌ، وجُمِعَ في الكَثْرَةِ عَلى: غِلْمانٍ، وهو قِياسُهُ: الكِبَرُ، مَصْدَرُ: كَبُرَ يَكْبُرُ مِنَ السِّنِّ قالَ: ؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البُهْمَ يا لَيْتَ إنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ ولَمْ تَكْبُرِ البُهْمُ العاقِرُ: مَن لا يُوَلَدُ لَهُ مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ، وفِعْلُهُ لازِمٌ، والعاقِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن عَقَرَ؛ أيْ: قَتَلَ، وهو مُتَعَدٍّ. الرَّمْزُ: الإشارَةُ بِاليَدِ أوْ بِالرَّأْسِ أوْ بِغَيْرِهِما، وأصْلُهُ: التَّحَرُّكُ؛ يُقالُ ارْتَمَزَ: تَحَرَّكَ ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: الرّامُوزُ. العَشِيُّ: مُفْرَدُ عَشِيَّةٍ كَرَكِيٍّ. ورَكِيَّةٍ، والعَشِيَّةُ: أواخِرُ النَّهارِ، ولامُها واوَ، فَهي كَمَطِيٍّ. الإبْكارُ: مَصْدَرُ أبْكَرَ، يُقالُ أبْكَرَ: خَرَجَ بُكْرَةً. ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ. ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: في نَصارى نَجْرانَ لَمّا غَلَوْا في عِيسى، وجَعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخَذُوهُ إلَهًا، نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وإعْلامًا أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ البَشَرِ المُتَنَقِّلِينَ في الأطْوارِ المُسْتَحِيلَةِ عَلى الإلَهِ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى وِلادَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ إلى وِلادَتِهِ هو، وهَذِهِ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآياتِ لِما قَبْلَها. وأيْضًا. لِما قُدِّمَ قَبْلُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ووَلِيَهُ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] وخَتَمَها بِأنَّهُ ﴿لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ذَكَرَ المُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُحِبُّ اتِّباعَهم، فَبَدَأ أوَّلًا بِأوَّلِهِمْ وُجُودًا وأصْلِهِمْ، وثَنى بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ لَيْسَ أحَدٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ إلّا مِن نَسْلِهِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِآلِ إبْراهِيمَ، فانْدَرَجَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَأْمُورُ بِاتِّباعِهِ وطاعَتِهِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ أتى رابِعًا بِآلِ عِمْرانَ، فانْدَرَجَ في آلِهِ مَرْيَمُ وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَصَّ عَلى آلِ إبْراهِيمَ لِخُصُوصِيَّةِ اليَهُودِ بِهِمْ، وعَلى آلِ عِمْران لِخُصُوصِيَّةِ النَّصارى بِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى جَعْلَ هَؤُلاءِ صَفْوَةً أيْ: مُخْتارِينَ نَقاوَةً. والمَعْنى أنَّهُ نَقّاهم مِنَ الكَدَرِ. وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْلُومِ بِالمَحْسُوسِ. . واصْطِفاءُ آدَمَ بِوُجُوهٍ. مِنها خَلْقُهُ أوَّلَ هَذا الجِنْسِ الشَّرِيفِ، وجَعْلُهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ، وإسْجادُ المَلائِكَةِ لَهُ، وإسْكانُهُ جَنَّتَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَرَّفَهُ بِهِ. واصْطِفاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأشْياءَ، مِنها: أنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وسائِرِ ذَوِي المَحارِمِ، وأنَّهُ أبُ النّاسِ بَعْدَ آدَمَ وغَيْرُ ذَلِكَ، واصْطِفاءُ آلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: آلُ إبْراهِيمَ مَن كانَ عَلى دِينِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: آلُهُ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ. وتَقَدَّمَ لَنا شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] . وعِمْرانُ هَذا المُضافُ إلَيْهِ: ”آلُ“، قِيلَ هو: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو أبُو مَرْيَمَ البَتُولِ، أُمِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ: الحَسَنُ، ووَهْبٌ. وقِيلَ: هو عِمْرانُ أبُو مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ نُصَيْرٍ قالَهُ مُقاتِلٌ. فَعَلى الأوَّلِ آلُهُ عِيسى، قالَهُ الحَسَنُ، وعَلى الثّانِي آلُهُ مُوسى وهارُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ، والظّاهِرُ في عِمْرانَ أنَّهُ أبُو مَرْيَمَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَرْيَمَ وابْنِها عِيسى، ونَصَّ عَلى أنَّ اللَّهَ اصْطَفاها بِقَوْلِهِ ﴿قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] كالشَّرْحِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِفاءِ، لِقَوْلِهِ: وآلَ عِمْرانَ، وصارَ نَظِيرَ تَكْرارِ الِاسْمِ في جُمْلَتَيْنِ، فَيَسْبِقُ الذِّهْنُ إلى أنَّ الثّانِيَ هو الأوَّلُ، نَحْوَ: أكْرَمَ زَيْدًا رَجُلٌ صالِحٌ. وإذا كانَ المُرادُ بِالثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ، كانَ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى السّامِعِ. وقَدْ رُجِّحَ القَوْلُ الآخَرُ بِأنَّ مُوسى يُقْرَنُ بِإبْراهِيمَ كَثِيرًا في الذِّكْرِ، ولا يَتَطَرَّقُ الفَهْمُ إلى أنَّ عِمْرانَ الثّانِيَ هو أبُو مُوسى وهارُونَ، وإنْ كانَتْ لَهُ بِنْتٌ تُسَمّى مَرْيَمَ، وكانَتْ أكْبَرَ مِن مُوسى وهارُونَ سِنًّا، لِلنَّصِّ عَلى أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ ولَدَتْ عِيسى، وأنَّ زَكَرِيّا كَفَلَ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسى، وكانَ زَكَرِيّا قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مَرْيَمَ إمْشاعَ ابْنَةَ عِمْرانَ بْنِ (p-٤٣٥)ماثانَ، فَكانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيْ خالَةٍ، وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ‌‌والمَرْيَمَيْنِ أعْصارٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ سَنَةٍ، وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ. والظّاهِرُ: أنَّ الآلَ: مَن يَئُولُ إلى الشَّخْصِ في قَرابَةٍ أوْ مَذْهَبٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ نَصَّ عَلى هَؤُلاءِ هُنا في الِاصْطِفاءِ لِلْمَزايا الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ. وذَهَبَ قاضِي القُضاةِ بِالأنْدَلُسِ أبُو الحَكَمِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ ورِضى عَنْهُ، إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ ونُوحٍ تَضَمَّنَ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ مِن بَيْنِهِما، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمُ. انْتَهى ما قالَ مُلَخَّصًا، وقَوْلُهُ شَبِيهٌ في المَعْنى بِقَوْلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ ”آدَمَ“، وما بَعْدَهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ. ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المُرادُ اصْطَفى دِينَهم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ لَكانَ: ونُوحٍ مَجْرُورًا، لِأنَّ آدَمَ مَحَلُّهُ الجَرُّ بِالإضافَةِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَوْلا تَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ. لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يُجَرَّ المُضافُ إلَيْهِ إذا حُذِفَ المُضافُ، فَيَلْزَمُ جَرُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، بَلْ يُعْرَبُ المُضافُ إلَيْهِ بِإعْرابِ المُضافِ المَحْذُوفِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؟ وأمّا إقْرارُهُ مَجْرُورًا فَلا يَجُوزُ إلّا بِشَرْطٍ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”اصْطَفى“، ضَمَّنَهُ مَعْنى فَضَّلَ، فَعَدّاهُ بِعَلى. ولَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ مَعْنى فَضَّلَ لَعُدِّيَ بِمِن. قِيلَ: والمَعْنى عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، واللَّفْظُ عامٌّ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ويَضْحى العالَمُونَ لَهُ عِيالًا وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎أراحَ اللَّهُ مِنكَ العالَمِينا وكَما تَئُولُ في ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] . وقالَ القَتِبِيُّ: لِكُلِّ دَهْرٍ عالَمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ بِمَن سِوى هَؤُلاءِ، ويَكُونُ قَدِ انْدَرَجَ في قَوْلِهِ: ”وآلَ إبْراهِيمَ“ مُحَمَّدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ فُضِّلُوا عَلى مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. واشْتِراكُهم في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ التَّفْضِيلِ لا يَدُلُّ عَلى التَّساوِي في مَراتِبِ التَّفْضِيلِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ وعُمَرُ وخالِدٌ أغْنِياءٌ، فاشْتِراكُهم في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ الغِنى، لا يَدُلُّ عَلى التَّساوِي في مَراتِبِ الغِنى، وإذا حَمَلْنا: العالَمِينَ، عَلى مَن سِوى هَؤُلاءِ، كانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن سِوى هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ العالَمِينَ، عَلى عُمُومِهِ لِأجْلِ التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ، يَلْزَمُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ، وهو مُحالٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وآلَ مُحَمَّدٍ عَلى العالَمِينَ. ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أجازُوا في نَصْبِ: ”ذَرِّيَّةً“، وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ؛ يَعْنِي أنَّ الآلَيْنِ ذَرِّيَّةٌ واحِدَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ بَدَلٌ مِن نُوحٍ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ. قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن آدَمَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَسُوغُ أنْ تَقُولَ في والِدِ هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والأصْلِ والنَّسْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] أيْ آباءَهم، ويُقالُ لِلنِّساءِ: الذَّرارِي. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الآيَةُ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ الآباءُ ذَرِّيَّةً لِلْأبْناءِ، والأبْناءُ ذَرِّيَّةً لِلْآباءِ، وجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، فالأبُ ذُرِئَ مِنهُ الوَلَدُ، والوَلَدُ ذُرِئَ مِنَ الأبِ. وقالَ مَعْناهُ النَّقّاشُ، فَعَلى قَوْلِ الرّاغِبِ وصاحِبِ النَّظْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”ذَرِّيَّةً“، بَدَلًا مِن: آدَمَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ. وأجازُوا أيْضًا نَصْبَ ”ذَرِّيَّةً“، عَلى الحالِ، وهو الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: وهو أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذُرِّيَّةٍ دَلالَةً واشْتِقاقًا ووَزْنًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب