الباحث القرآني

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾: الكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ: اسْمُ إشارَةٍ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إمّا لِكَوْنِهِ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ حالًا. والمَعْنى: وجَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا جَعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ لَيْسَ إلى مَلْفُوظٍ بِهِ مُتَقَدِّمٍ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ لَفْظُ يَهْدِي، وهو دالٌّ عَلى المَصْدَرِ، وهو الهُدى، وتَبَيَّنَ أنَّ مَعْنى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]: يَجْعَلُهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] . قابَلَ تَعالى الضَّلالَ بِالجَعْلِ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، إذْ ذَلِكَ الجَعْلُ هو الهِدايَةُ، فَكَذَلِكَ مَعْنى الهَدْيِ هُنا هو ذَلِكَ الجَعْلُ. وتَبَيَّنَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى آخِرِهِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِبْلَتَهم خَيْرًا مِن قِبْلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ وسَطًا. فَعَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ اخْتَلَفَتِ الأقاوِيلُ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ جَعْلَهم أُمَّةً وسَطًا بِهِدايَتِهِ إيّاهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ أنْعَمْنا عَلَيْكم بِجَعْلِكم أُمَّةً وسَطًا، مِثْلَ ما سَبَقَ إنْعامُنا عَلَيْكم بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَتَكُونُ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَهْدِي، أيْ جَعَلْناكم أُمَّةً خِيارًا مِثْلَ ما هَدَيْناكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ جَعْلَهم أُمَّةً وسَطًا بِجَعْلِهِمْ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الغَرِيبِ الَّذِي فِيهِ اخْتِصاصُكم بِالهِدايَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: (يَهْدِي مَن يَشاءُ)، فَلا تَقَعُ الهِدايَةُ إلّا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم خَيْرَ القِبَلِ، جَعَلْناكم خَيْرَ الأُمَمِ. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. وقِيلَ: المَعْنى كَما جَعَلْنا الكَعْبَةَ وسَطَ الأرْضِ، كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، دُونَ الأنْبِياءِ، وفَوْقَ الأُمَمِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠] أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الِاصْطِفاءِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. ومَعْنى وسَطًا: عُدُولًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ تَظاهَرَتْ بِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ وإذا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَبَ المَصِيرُ في تَفْسِيرِ الوَسَطِ إلَيْهِ. وقِيلَ: خِيارًا، أوْ قِيلَ: مُتَوَسِّطِينَ في الدِّينِ بَيْنَ المُفْرِطِ والمُقَصِّرِ، لَمْ يَتَّخِذُوا واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ إلَهًا، كَما فَعَلَتِ النَّصارى، ولا قَتَلُوهُ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ. واحْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ فَقالُوا: أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عَدالَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعَنْ خِيرَتِهِمْ، فَلَوْ أقْدَمُوا عَلى شَيْءٍ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حُجَّةً. ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾: تَقَدَّمَ شَرْحُ الشَّهادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي شَهادَتِهِمْ هُنا أقْوالٌ: أحَدُها: ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مِن أنَّها في الآخِرَةِ، وهي شَهادَةُ (p-٤٢٢)هَذِهِ الأُمَّةِ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ نَصًّا في الحَدِيثِ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: وقَدْ طَعَنَ القاضِي في الحَدِيثِ مِن وُجُوهٍ، وذَكَرُوا وُجُوهًا ضَعِيفَةً، وأظُنُّهُ عَنى بِالقاضِي هُنا القاضِي عَبْدَ الجَبّارِ المُعْتَزِلِيَّ؛ لِأنَّ الطَّعْنَ في الحَدِيثِ الثّابِتِ الصَّحِيحِ لا يُناسِبُ مَذاهِبَ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ تَكُونُ في الدُّنْيا. واخْتَلَفَ قائِلُوا ذَلِكَ، فَقِيلَ: المَعْنى يَشْهَدُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ إذا ماتَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ مِن «أنَّهُ مُرَّ بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها خَيْرًا، وبِأُخْرى فَأُثْنِيَ عَلَيْها شَرًّا، فَقالَ الرَّسُولُ: ”وجَبَتْ“»، يَعْنِي الجَنَّةُ والنّارُ، «أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ» ثَبَتَ ذَلِكَ في مُسْلِمٍ. وقِيلَ: الشَّهادَةُ الِاحْتِجاجُ، أيْ لِتَكُونُوا مُحْتَجِّينَ عَلى النّاسِ؛ حَكاهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مَعْناهُ لِتَنْقُلُوا إلَيْهِمْ ما عَلِمْتُمُوهُ مِنَ الوَحْيِ والدِّينِ كَما نَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وتَكُونُ عَلى بِمَعْنى اللّامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ لِلنُّصُبِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لِيَكُونَ إجْماعُكم حُجَّةً، ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا، أيْ مُحْتَجًّا بِالتَّبْلِيغِ. وقِيلَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الأُمَمِ، اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: شُهَداءُ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا، فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ الأخْيارِ. وأسْبابُ هَذِهِ الشَّهادَةِ - أيْ شَهادَةِ هَذِهِ العُدُولِ - أرْبَعَةٌ: بِمُعايَنَةٍ كالشَّهادَةِ عَلى الزِّنا، وبِخَبَرِ الصّادِقِ كالشَّهادَةِ عَلى الشَّهادَةِ؛ وبِالِاسْتِفاضَةِ كالشَّهادَةِ عَلى الأنْسابِ؛ وبِالدَّلالَةِ كالشَّهادَةِ عَلى الأمْلاكِ، وكَتَعْدِيلِ الشّاهِدِ وجَرْحِهِ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الإشْهادُ أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ بِإثْباتِ أعْمالِ العِبادِ، والأنْبِياءُ، وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ، والجَوارِحُ. انْتَهى. ولَمّا كانَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ والإدْراكِ بِالبَصِيرَةِ مُناسِبَةٌ شَدِيدَةٌ، سُمِّيَ إدْراكُ البَصِيرَةِ: مُشاهِدَةً وشُهُودًا، وسُمِّيَ العارِفُ: شاهِدًا ومُشاهِدًا، ثُمَّ سُمِّيَتِ الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ: شَهادَةً عَلَيْهِ؛ لِأنَّها هي الَّتِي بِها صارَ الشّاهِدُ شاهِدًا. وقَدِ اخْتَصَّ هَذا اللَّفْظَ في عُرْفِ الشَّرْعِ بِمَن يُخْبِرُ عَنْ حُقُوقِ النّاسِ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى جِهاتٍ. قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِينَ العَدالَةُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾، أيْ عُدُولًا خِيارًا. وقالَ بَقِيَّةُ العُلَماءِ: العَدالَةُ وصْفٌ عارِضٌ لا يَثْبُتُ إلّا بِبَيِّنَةٍ، وقَدِ اخْتارَ المُتَأخِّرُونَ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، لِتَغَيُّرِ أحْوالِ النّاسِ، ولِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ في هَذا الوَقْتِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الحُدُودِ والقِصّاصِ. ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾: لا خِلافَ أنَّ الرَّسُولَ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي شَهادَتِهِ أقْوالٌ: أحَدُها: شَهادَتُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم رِسالَةَ رَبِّهِ. الثّانِي: شَهادَتُهُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ. الثّالِثُ: يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. الرّابِعُ: تَزْكِيَتُهُ لَهم وتَعْدِيلُهُ إيّاهم، قالَهُ عَطاءٌ، قالَ: هَذِهِ الأُمَّةُ شُهَداءُ عَلى مَن تَرَكَ الحَقَّ مِنَ النّاسِ أجْمَعِينَ، والرَّسُولُ شَهِيدٌ مُعَدِّلٌ مُزَكٍّ لَهم. ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ما رَوى البُخارِيُّ في ذَلِكَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِتَكُونُوا“ هي لامُ كَيْ، أوْ لامُ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ مَن يَرى ذَلِكَ، فَمَجِيءُ ما بَعْدَها سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ خِيارًا، أوْ عُدُولًا ظاهِرًا. وأمّا كَوْنُ شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ خِيارًا، فَظاهِرٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتِ الشَّهادَةُ بِمَعْنى التَّزْكِيَةِ، أوْ بِأيِّ مَعْنًى فُسِّرَتْ شَهادَتُهُ، فَفي ذَلِكَ الشَّرَفُ التّامُّ لَهم، حَيْثُ كانَ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ هو الشّاهِدَ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الشَّهِيدُ كالرَّقِيبِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ، جِيءَ بِكَلِمَةٍ عَلى، وتَأخَّرَ حَرْفُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: عَلى النّاسِ، عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ. جاءَ ذَلِكَ عَلى الأصْلِ، إذِ العامِلُ أصْلُهُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المَعْمُولِ. وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فَتَقَدَّمَهُ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الكَلامِ لِلْفَصاحَةِ، ولِأنَّ شَهِيدًا أشْبَهُ بِالفَواصِلِ والمَقاطِعِ مِن قَوْلِهِ: عَلَيْكم، فَكانَ قَوْلُهُ: شَهِيدًا، تَمامَ الجُمْلَةِ، ومَقْطَعُها دُونَ عَلَيْكم. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ تَقْدِيمَ عَلى أوَّلًا؛ لِأنَّ الغَرَضَ فِيهِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ؛ وتَأْخِيرُ عَلى: لِاخْتِصاصِهِمْ بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، فَهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ: أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ. (p-٤٢٣)وقَدْ ذَكَرْنا بُطْلانَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، وأنَّ ذَلِكَ دَعْوى لا يَقُومُ عَلَيْها بِرِهانٌ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ وسَطًا بِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِشَهادَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَقَعُ. ألّا تَرى أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ يَشْهَدُ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ، عَلى ما نُصَّ في الحَدِيثِ مِن أنَّهم إذا ناكَرَتِ الأُمَمُ رُسُلَهم وشَهِدَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، يُؤْتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ ويَشْهَدُ بِصِدْقِهِمْ ؟ وإنْ فُسِّرَتِ الشَّهادَتانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ الرَّسُولِ مُتَقَدِّمَةً في الزَّمانِ، فَيَكُونُ التَّأْخِيرُ لِذِكْرِ شَهادَةِ الرَّسُولِ مِن بابِ التَّرَقِّي؛ لِأنَّ شَهادَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ أشْرَفُ مِن شَهادَتِهِمْ عَلى النّاسِ. وأتى بِلَفْظِ الرَّسُولِ؛ لِما في الدَّلالَةِ بِلَفْظِ الرَّسُولِ عَلى اتِّصافِهِ بِالرِّسالَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى أُمَّتِهِ. وأتى بِجَمْعِ فُعَلاءَ، الَّذِي هو جَمْعُ فَعِيلٍ وبِشَهِيدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو لِلْمُبالَغَةِ دُونَ قَوْلِهِ: شاهِدِينَ، أوْ إشْهادًا، أوْ شاهِدًا. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ عَلى أنَّ التَّزْكِيَةَ تَقْتَضِي قَبُولَ الشَّهادَةِ، فَإنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: مَعْنى شَهِيدًا: مُزَكِّيًا لَكم، قالُوا: وعَلَيْكم تَكُونُ بِمَعْنى: لَكم. * * * ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾: جَعَلَ هُنا: بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما القِبْلَةُ، والآخَرُ ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ . والمَعْنى: وما صَيَّرْنا قِبْلَتَكَ الآنَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ أوَّلًا عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ، أيْ ما صَيَّرْنا مُتَوَجَّهَكَ الآنَ في الصَّلاةِ المُتَوَجَّهِ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُصَلِّي أوَّلًا إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ صارَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ. وتَكُونُ القِبْلَةُ: هو المَفْعُولَ الثّانِي، والَّتِي كُنْتَ عَلَيْها: هو المَفْعُولَ الأوَّلُ، إذِ التَّصْيِيرُ هو الِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ. فالمُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الأوْلى هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ الطِّينَ خَزَفًا، وجَعَلْتُ الجاهِلَ عالِمًا ؟ والمَعْنى هُنا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: وما جَعَلْنا الكَعْبَةَ الَّتِي كانَتْ قِبْلَةً لَكَ أوَّلًا، ثُمَّ صُرِفْتَ عَنْها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قِبْلَتَكَ الآنَ إلّا لِنَعْلَمَ. ووَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ، فَزَعَمَ أنَّ الَّتِي كُنْتُ عَلَيْها: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلَ، قالَ: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، إنَّما هي ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ. تُرِيدُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، وهي الكَعْبَةُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، تَألُّفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ، فَيَقُولُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي يَجِبُ أنْ تَسْتَقْبِلَها الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أوَّلًا بِمَكَّةَ، يَعْنِي: وما رَدَدْناكَ إلَيْها إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً، انْتَهى ما ذَكَرَهُ. وقَدْ أوْضَحْنا أنَّ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها: هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وقِيلَ: هَذا بَيانٌ لِحِكْمَةِ جَعْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلَةً. والمَعْنى: وما جَعَلْنا مُتَوَجَّهَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا لِنَعْلَمَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى مَعْنى: أنَّ اسْتِقْبالَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ هو أمْرٌ عارِضٌ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِ الثّابِتُ عَلى دِينِهِ مِنَ المُرْتَدِّ. وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الكَعْبَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ صالِحٌ بِأنْ يُوصَفَ بِقَوْلِهِ: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِما في وقْتَيْنِ. وقِيلَ: الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها صِفَةٌ لِلْقِبْلَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ اخْتَلَفُوا في المَفْعُولِ الثّانِي، فَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قِبْلَةً إلّا لِنَعْلَمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مَنسُوخَةً إلّا لِنَعْلَمَ. وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وما جَعَلْنا صَرْفَ القِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى هَذا قَوْلَهُ: لِنَعْلَمَ، كَما تَقُولُ: ضَرْبُ زِيدٍ لِلتَّأْدِيبِ، أيْ كائِنٌ ومَوْجُودٌ لِلتَّأْدِيبِ، أيْ بِسَبَبِ التَّأْدِيبِ. وعَلى كَوْنِ الَّتِي صِفَةً، يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقِبْلَةِ: الكَعْبَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بَيْتُ المَقْدِسِ، إذْ كُلٌّ مِنهُما مُتَّصِفٌ بِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِبْلَةُ في الآيَةِ: الكَعْبَةُ، وكُنْتَ بِمَعْنى: أنْتَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] بِمَعْنى: أنْتُمْ. انْتَهى. وهَذا مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ، إنْ صَحَّ - تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ يَئُولُ إلى زِيادَةِ كانَ الرّافِعَةِ لِلِاسْمِ والنّاصِبَةِ لِلْخَبَرِ، وهَذا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ. وإنَّما تَفْسِيرُ الإعْرابِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ما نَقَلَهُ (p-٤٢٤)النَّحْوِيُّونَ، أنَّ كانَ تَكُونُ بِمَعْنى صارَ، ومَن صارَ إلى شَيْءٍ واتَّصَفَ بِهِ، صَحَّ مِن حَيْثُ المَعْنى نِسْبَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلَيْهِ. فَإذا قُلْتَ: صِرْتَ عالِمًا، صَحَّ أنْ تَقُولَ: أنْتَ عالِمٌ، لِأنَّكَ تُخْبِرُ عَنْهُ بِشَيْءٍ هو فِيهِ. فَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنْتَ بِأنْتَ، هو مِن هَذا القَبِيلِ، فَهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ. وكَذَلِكَ مَن صارَ خَيْرَ أُمَّةٍ، صَحَّ أنْ يُقالَ فِيهِ: أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ. ”إلّا لِنَعْلَمَ“: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، وفِيهِ حَصْرُ السَّبَبِ، أيْ ما سَبَّبَ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلّا كَذا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”لِنَعْلَمَ“، ابْتِداءُ العِلْمِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الظّاهِرِ، إذْ يَسْتَحِيلُ حُدُوثُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. فَأُوِّلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِيَعْلَمَ رَسُولُنا والمُؤْمِنُونَ، وأسْنَدَ عِلْمَهم إلى ذاتِهِ؛ لِأنَّهم خَواصُّهُ وأهْلُ الزُّلْفى لَدَيْهِ. فَيَكُونُ هَذا مِن مَجازِ الحَذْفِ، أوْ عَلى الحَذْفِ، أوْ عَلى إطْلاقِ العِلْمِ عَلى مَعْنى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّ بِالعِلْمِ يَقَعُ التَّمْيِيزُ، أيْ لِنُمَيِّزَ التّابِعَ مِنَ النّاكِصِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ويَكُونُ هَذا مِن مَجازِ إطْلاقِ السَّبَبِ، ويُرادُ بِهِ المُسَبَّبُ. وحُكِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ ذِكْرَ عِلْمِهِ وقْتِ مُوافَقَتِهِمُ الطّاعَةَ أوِ المَعْصِيَةَ، إذْ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَتَعَلَّقُ الثَّوابُ والعِقابُ. فَلَيْسَ المَعْنى لِنُحْدِثَ العِلْمَ، وإنَّما المَعْنى لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا؛ إذِ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ في القِدَمِ مَن يَتْبَعُ الرَّسُولَ. واسْتَمَرَّ العِلْمُ حَتّى وقَعَ حُدُوثَهم، واسْتَمَرَّ في حِينِ الِاتِّباعِ والِانْقِلابِ، واسْتَمَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ في كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ، ويَكُونُ هَذا قَدْ كَنّى فِيهِ بِالعِلْمِ عَنْ تَعَلُّقِ العِلْمِ، أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ في حالِ وُجُودِهِ. أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالعِلْمِ التَّثْبِيتَ، أيْ لِنُثَبِّتَ التّابِعَ، ويَكُونُ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ ويُرادُ بِهِ المُسَبِّبُ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ، فَهو ثابِتُ الِاتِّباعِ. أوْ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالعِلْمِ الجَزاءُ، أيْ لِنُجازِيَ الطّائِعَ والعاصِيَ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ التَّهْدِيدُ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، بِذِكْرِ العِلْمِ، كَقَوْلِكَ: زِيدٌ عَصاكَ، والمَعْنى: أنا أُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالمُسْتَقْبَلِ هُنا الماضِي، التَّقْدِيرُ: لَمّا عَلِمْنا، أوْ لِعِلْمِنا مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يُخالِفُ. فَهَذِهِ كُلُّها تَأْوِيلاتٌ في قَوْلِهِ: ”لِنَعْلَمَ“، فِرارًا مِن حُدُوثِ العِلْمِ وتَجَدُّدِهِ، إذْ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ. وكُلُّ ما وقَعَ في القُرْآنِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أُوِّلَ بِما يُناسِبُهُ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ. ونَعْلَمُ هُنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وهو المَوْصُولُ، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والفِعْلُ بَعْدَهُ صِلَتُهُ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَعْلَمُ هُنا مُتَعَلِّقَةٌ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ أزْيَدٌ في الدّارِ أمْ عَمْرٌو، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَتَّبِعُ في مَوْضِعِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِ نَعْلَمُ. وقَدْ رُدَّ هَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ بِأنَّهُ إذا عَلَّقَ نَعْلَمُ، لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾، ما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ لا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ: (يَتَّبِعُ)، الَّذِي هو خَبَرٌ عَنْ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما المَعْنى عَلى أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَعْلَمُ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ مَن أحْسَنَ إلَيْكَ مِمَّنْ أساءَ. وهَذا يُقَوِّي أنَّهُ أُرِيدَ بِالعِلْمِ الفَصْلُ والتَّمْيِيزُ؛ إذِ العِلْمُ لا يَتَعَدّى بِمَن إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ التَّمْيِيزُ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ هو الَّذِي يَتَعَدّى بِمَن. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”لِيُعْلَمَ“، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهَذا لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، إذِ الفاعِلُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَحُذِفَ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، وعِلْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حادِثٌ، فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ الجَعْلِ بِالعِلْمِ الحادِثِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ. وأتى بِلَفْظِ الرَّسُولِ، ولَمْ يَجْرِ عَلى ذَلِكَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾، فَكانَ يَكُونُ الكَلامُ مَن يَتَّبِعُكَ، لِما في لَفْظِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الرِّسالَةِ. وجاءَ الخِطابُ مُكْتَنِفًا ذِكْرَ الرَّسُولِ مَرَّتَيْنِ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَصاحَةِ والتَّفَنُّنِ في البَلاغَةِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُخاطَبَ هو المَوْصُوفُ بِالرِّسالَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ والمَتْبُوعِيَّةُ مِنَ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ خاصَّةً، أتى بِلَفْظِ الرَّسُولِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو مُخْتَصٌّ بِالتَّبْلِيغِ المَحْضِ. ولَمّا كانَ التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ تَوَجُّهًا إلى المَكانِ الَّذِي ألِفَهُ الإنْسانُ، ولَهُ إلى ذَلِكَ نُزُوعٌ، أتى بِالخِطابِ دُونَ لَفْظِ الرِّسالَةِ، فَقِيلَ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾، فَهَذِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - حِكْمَةُ الِالتِفاتِ هُنا. وقَوْلُهُ: ﴿يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ كِنايَةٌ (p-٤٢٥)عَنِ الرُّجُوعِ عَمّا كانَ فِيهِ مِن إيمانٍ أوْ شُغْلٍ. والرُّجُوعُ عَلى العَقِبِ أسْوَأُ أحْوالِ الرّاجِعِ في مَشْيِهِ عَلى وجْهِهِ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَ المُرْتَدُّ في الدِّينِ بِهِ. والمَعْنى: أنَّهُ كانَ مُتَلَبِّسًا بِالإيمانِ، فَلَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، ارْتابَ فَعادَ إلى الكُفْرِ، فَهَذا انْقِلابٌ مَعْنَوِيٌّ، والِانْقِلابُ الحَقِيقِيُّ هو الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ. * * * وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ناكِصًا عَلى عَقِبَيْهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، لَمْ يَخْلُ في رُجُوعِهِ بِأنَّهُ عادَ مِن حَيْثُ جاءَ إلى الحالَةِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها، فَهو قَدْ ولّى عَمّا كانَ أقْبَلَ عَلَيْهِ، ومَشى أدْراجَهُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَهُ، وذَلِكَ مُبالِغَةٌ في التِباسِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُوصِلُهُ إلى الأمْرِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا. قالُوا: وقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ المِحْنَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ، أوْ بِسَبَبِ تَحْوِيلِها. فَقِيلَ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى العَرَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم ثُمَّ صَلّى إلى الكَعْبَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم. وقالَ الأكْثَرُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي، قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ، لَما تَغَيَّرَ رَأْيُهُ. ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ أسْلَمَ وقالُوا: مَرَّةً هُنا ومَرَّةً هُنا، وهَذا أشْبَهُ؛ لِأنَّ الشُّبْهَةَ في أمْرِ النَّسَخِ أعْظَمُ مِنَ الشُّبْهَةِ الحاصِلَةِ بِتَعْيِينِ القِبْلَةِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ بِالكِبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ . وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: عَلى عَقْبَيْهِ، بِسُكُونِ القافِ. وتَسْكِينُ عَيْنِ فَعِلَ، اسْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾: اسْمُ كانَتْ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى التَّوْلِيَةِ عَنِ البَيْتِ المُقَدَّسِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وتَحْرِيرُهُ مِن جِهَةِ عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾، أيْ وإنْ كانَتِ الجَعْلَةُ لَكَبِيرَةً، أوْ يَعُودُ عَلى القِبْلَةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَجَّهُ إلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والأخْفَشُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الصَّلاةِ الَّتِي صَلَّوْها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. ومَعْنى ”كَبِيرَةً“: أيْ شاقَّةً صَعْبَةً، ووَجْهُ صُعُوبَتِها أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ مَن ألِفَ شَيْئًا، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ، صَعُبَ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى مَعْرِفَةِ النَّسْخِ وجَوازِهِ ووُقُوعِهِ. وإنْ هُنا هي المُخَفِّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ النّاسِخَةِ. واللّامُ هي لامُ الفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ والمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وهَلْ هي لامُ الِابْتِداءِ أُلْزِمَتْ لِلْفَرْقِ، أمْ هي لامٌ اجْتُلِبَتْ لِلْفَرْقِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ وقُطْرُبٍ في إنَّ الَّتِي يَقُولُ البَصْرِيُّونَ إنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، خِلافٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ”لَكَبِيرَةً“ بِالنَّصْبِ، عَلى أنْ تَكُونَ خَبَرَ كانَتْ. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: ”لَكَبِيرَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى زِيادَةِ كانَتْ، التَّقْدِيرُ: وإنْ هي لَكَبِيرَةٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كانَ الزّائِدَةُ لا عَمَلَ لَها، وهُنا قَدِ اتَّصَلَ بِها الضَّمِيرُ فَعَمِلَتْ فِيهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكَنَّ فِيها. وقَدْ خالَفَ أبُو سَعِيدٍ، فَزَعَمَ أنَّها إذا زِيدَتْ عَمِلَتْ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنها، أيْ كانَ هو، أيِ الكَوْنِ. وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وكَذَلِكَ أيْضًا نُوزِعُ مَن زَعَمَ أنَّ كانَ زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: ؎وجِيرانٍ لَنا كانُوا كِرامِ لِاتِّصالِ الضَّمِيرِ بِهِ وعَمَلِ الفِعْلِ فِيهِ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ ”لَكَبِيرَةً“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لَهي كَبِيرَةٌ. ويَكُونُ لامُ الفَرْقِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ في التَّقْدِيرِ، تِلْكَ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِكانَتْ، وهَذا التَّوْجِيهُ ضَعِيفٌ أيْضًا، وهو تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. ﴿إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾، هَذا اسْتِثْناءٌ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً عَلى النّاسِ إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ، ولا يُقالُ في هَذا إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ نَفْيٌ أوْ شُبْهَةٌ، إنَّما سَبَقَهُ إيجابٌ. ومَعْنى هُدى اللَّهِ: أيْ هَداهم لِاتِّباعِ الرَّسُولِ، أوْ عَصَمَهم واهْتَدَوْا بِهِدايَتِهِ، أوْ خَلَقَ لَهُمُ الهُدى الَّذِي هو الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، أوْ وفَّقَهم إلى الحَقِّ وثَبَّتَهم عَلى الإيمانِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وفِيهِ إسْنادُ الهِدايَةِ إلى اللَّهِ، أيْ أنَّ عَدَمَ صُعُوبَةِ ذَلِكَ إنَّما هو بِتَوْفِيقٍ مِنَ (p-٤٢٦)اللَّهِ، لا مِن ذَواتِ أنْفُسِهِمْ، فَهو الَّذِي وفَّقَهم لِهِدايَتِهِ. ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾: قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذا أنَّ جَماعَةً ماتُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: السّائِلُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ مَعَ جَماعَةٍ، وهَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ أسْعَدَ بْنَ زُرارَةَ والبَراءَ بْنَ مَعْرُورٍ ماتا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. وقَدْ فُسِّرَ الإيمانُ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ وغَيْرُهم، وكَنّى عَنِ الصَّلاةِ بِالإيمانِ لَمّا كانَتْ صادِرَةً عَنْهُ، وهي مِن شُعَبِهِ العَظِيمَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقِرَّ الإيمانَ عَلى مَدْلُولِهِ، إذْ هو يَشْمَلُ التَّصْدِيقَ في وقْتِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي وقْتِ التَّحْوِيلِ. وذَكَرَ الإيمانَ، وإنْ كانَ السُّؤالُ عَنْ صَلاةِ مَن صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِأنَّهُ هو العُمْدَةُ، والَّذِي تَصِحُّ بِهِ الأعْمالُ. وقَدْ كانَ لَهم ثابِتًا في حالِ تُوَجُّهِهِمْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وغَيْرِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضِيعُ إيمانُكم، فانْدَرَجَ تَحْتَهُ مُتَعَلِّقاتُهُ الَّتِي لا تَصِحُّ إلّا بِهِ. وكانَ ذِكْرُ الإيمانِ أوْلى مِن ذِكْرِ الصَّلاةِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْدِراجُ صَلاةِ المُنافِقِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وأتى بِلَفْظِ الخِطابِ، وإنْ كانَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ لِأنَّ المُصَلِّينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهم ماتُوا. وقَرَأ الضَّحّاكُ: لِيُضَيِّعَ - بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ - وأضاعَ وضَيَّعَ، الهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ كِلاهُما لِلنَّقْلِ؛ إذْ أصْلُ الكَلِمَةِ ضاعَ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: لَوْلا ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: لَما اتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ووَجْهُ تَقْرِيرِ الإشْكالِ، أنَّ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ النَّسْخَ إلّا مَعَ البَداءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمّا تَغَيَّرَ الحُكْمُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ مَفْسَدَةً، أوْ باطِلًا، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، بِناءً عَلى هَذا السُّؤالِ، أنَّ تِلْكَ الصَّلَواتِ الَّتِي أتَوْا بِها مُتَوَجِّهِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ كانَتْ ضائِعَةً. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا الإشْكالِ، وبَيَّنَ أنَّ النَّسْخَ نَقْلٌ مِن مَصْلَحَةٍ إلى مَصْلَحَةٍ، ومِن تَكْلِيفٍ إلى تَكْلِيفٍ، والأوَّلُ كالثّانِي في أنَّ المُتَمَسِّكَ بِهِ قائِمٌ. انْتَهى. وإذا كانَ الشَّكُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِمَّنْ يَجُوزُ البَداءَ عَلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالصَّحابَةِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا مِن مُنافِقٍ، فَأخْبَرَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ المُنافِقِ، أوْ جُووِبَ عَلى تَقْدِيرِ خُطُورِ ذَلِكَ بِبالِ صَحابِيٍّ لَوْ خَطَرَ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِقادِهِ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ أفْضَلُ. وما ذَكَرَهُ في المُنْتَخَبِ مِن أنَّهُ لَوْلا ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، لَما اتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ، سَواءٌ أصَحَّ ذِكْرُ السَّبَبِ أمْ لَمْ يَصِحَّ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، كانَ ذَلِكَ تَقْسِيمًا لِلنّاسِ حالَةَ الجَعْلِ إلى قِسْمَيْنِ: مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ، وناكِصٌ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضِيعُ إيمانَ المُتَّبِعِ، بَلْ عَمَلُهُ وتَصْدِيقُهُ، قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ القِبْلَةُ، وبَعْدَ أنْ تُحَوَّلَ لا يُضَيِّعُهُ اللَّهُ، إذْ هو المُكَلِّفُ بِما شاءَ مِنَ التَّكالِيفِ، فَمَنِ امْتَثَلَها، فَهو لا يُضِيعُ أجْرَهُ. ولَمّا كانَ قَدْ يَهْجِسُ في النَّفْسِ الِاسْتِطْلاعُ إلى حالِ إيمانِ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ في الحالَتَيْنِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُضَيِّعُهُ، وأتى بِكانَ المَنفِيَّةِ بِما الجائِي بَعْدَها لامُ الجَحُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ مِن أنْ لا يَأْتِيَ بِلامِ الجُحُودِ. فَقَوْلُكَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، أبْلَغَ مِمّا: كانَ زَيْدٌ يَقُومُ؛ لِأنَّ في المِثالِ الأوَّلِ: هو نَفْيٌ لِلتَّهْيِئَةِ والإرادَةِ لِلْقِيامِ، وفي الثّانِي: هو نَفْيٌ لِلْقِيامِ. ونَفْيُ التَّهْيِئَةِ والإرادَةِ لِلْفِعْلِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ إرادَتِهِ، ونَفْيُ التَّهْيِئَةِ والصَّلاحِ والإرادَةِ لِلْفِعْلِ تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الفِعْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ النَّفْيُ مَعَ لامِ الجُحُودِ أبْلَغَ. وهَكَذا القَوْلُ فِيما ورَدَ مِن هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ. وكَلامِ العَرَبِ. وهَذِهِ الأبْلَغِيَّةُ إنَّما هي عَلى تَقْدِيرِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ خَبَرَ كانَ الَّتِي بَعْدَها لامُ الجُحُودِ مَحْذُوفٌ، وأنَّ اللّامَ بَعْدَها أنْ مُضْمَرَةٌ يَنْسَبِكُ مِنها مَعَ الفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، وذَلِكَ الحَرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الحَرْفِ المَحْذُوفِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ الخَبَرِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: ؎سَمَوْتَ ولَمْ تَكُنْ أهْلًا لِتَسْمُو ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّ اللّامَ هي النّاصِبَةُ، ولَيْسَتْ أنْ (p-٤٢٧)مُضْمَرَةً بَعْدَهُ، وأنَّ اللّامَ بَعْدَها لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّ نَفْسَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِهَذِهِ اللّامِ هو خَبَرُ كانَ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ: ما كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، وما كانَ زَيْدٌ لِيَقُومَ، إلّا مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ الَّذِي في اللّامِ. والكَلامُ عَلى هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ ظاهِرٌ، وهي جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، أيْ لِلُطْفِ رَأْفَتِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، نَقَلَكم مِن شَرْعٍ إلى شَرْعٍ أصْلَحَ لَكم وأنْفَعَ في الدِّينِ، أوْ لَمْ يَجْعَلْ لَها مَشَقَّةً عَلى الَّذِينَ هَداهم، أوْ لا يُضِيعُ إيمانَ مَن آمَنَ، وهَذا الأخِيرُ أظْهَرُ. والألِفُ واللّامُ في بِالنّاسِ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ، كَما قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]، ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ﴿وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ويَحْتَمِلُ العَهْدَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: لَرَءُوفٌ، مَهْمُوزًا عَلى وزْنِ فَعُولٍ حَيْثُ وقَعَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎نُطِيعُ رَسُولَنا ونُطِيعُ رَبًّا ∗∗∗ هو الرَّحْمَنُ كانَ بِنا رَءُوفًا وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: لَرَؤُفٌ، مَهْمُوزًا عَلى وزْنَ نَدُسٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يَرى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا ∗∗∗ كَحَقِّ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ وقالَ الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ: ؎وشَرُّ الظّالِمِينَ فَلا تَكُنْهُ ∗∗∗ يُقابِلُ عَمَّهُ الرَّؤُفَ الرَّحِيمَ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: لَرَوُفٌ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ سَهَّلَ كُلَّ هَمْزَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، ساكِنَةً كانَتْ أوْ مُتَحَرِّكَةً. ولَمّا كانَ نَفْيُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُبالَغًا فِيها مِن حَيْثُ لامُ الجَحُودِ، ناسَبَ إثْباتُ الجُمْلَةِ الخاتِمَةِ مُبالِغًا فِيها، فَبُولِغَ فِيها بِإنَّ وبِاللّامِ وبِالوَزْنِ عَلى فَعَوْلٍ وفَعِيلٍ، كُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وكَثْرَةِ الرَّأْفَةِ. وتَأخَّرَ الوَصْفُ بِالرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِ فاصِلَةً، وتَقَدَّمَ المَجْرُورُ اعْتِناءً بِالمَرْءُوفِ بِهِمْ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: مَن نَظَرَ الأمْرَ بِعَيْنِ التَّفْرِقَةِ، كَبُرَ عَلَيْهِ أمْرُ التَّحْوِيلِ؛ ومَن نَظَرَ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ظَهَرَ لِبَصِيرَتِهِ وجْهُ الصَّوابِ. ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾: أيْ مَن كانَ مَعَ اللَّهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ، فالمُخْتَلِفاتُ مِنَ الأحْوالِ لَهُ واحِدَةٌ، فَسَواءٌ غَيَّرَ، أوْ قَرَّرَ، أوْ أثَبَتَ، أوْ بَدَّلَ، أوْ حَقَّقَ، أوْ حَوَّلَ، فَهم بِهِ لَهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ. قالَ قائِلُهم: ؎حَيْثُما دارَتِ الزُّجاجَةُ دُرْنا ∗∗∗ يَحْسَبُ الجاهِلُونَ أنا جُنِنّا
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    إسلام ويب