الباحث القرآني

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: (p-٢٠٨)الظّاهِرُ أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ: بِبَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ. وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أمِ اسْتِفْهامٌ تَوَسَّطَ الكَلامَ عَلى مَعْنى: أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْتُ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ، انْتَهى. فَجَعَلَ أمْ مُتَّصِلَةً، والظّاهِرُ الِانْقِطاعُ كَما قُلْنا، والضَّمِيرُ في (افْتَراهُ) عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وهو: القُرْآنُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّها لا تَتَعَلَّقُ أطْماعُهم بِأنْ يَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا لِدَعْواهم: أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي افْتَراهُ، وإنَّما تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ قَبْلَ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةً، وسُورَةُ يُونُسَ أيْضًا مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى التَّحَدِّي بِعَشْرٍ أنْ يَكُونَ قَبْلَ طَلَبِ المُعارَضَةِ بِسُورَةٍ، فَلَمّا نَسَبُوهُ إلى الِافْتِراءِ طَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِياتٍ إرْخاءً لِعِنانِهِمْ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: هَبُوا إنِّي اخْتَلَقْتُهُ ولَمْ يُوحَ إلَيَّ فَأْتُوا أنْتُمْ بِكَلامٍ مِثْلِهِ مُخْتَلَقٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي، لا تَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ، وإنَّما عُيِّنَ بِقَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) في حُسْنِ النَّظْمِ والبَيانِ، وإنْ كانَ مُفْتَرًى، وشَأْنُ مَن يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أنْ يُطالِبَهُ أوَّلًا: بِأنْ يَفْعَلَ أمْثالًا مِمّا فَعَلَ هو، ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قالَ لَهُ: افْعَلْ مِثْلًا واحِدًا، ومِثْلُ: يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وتَجُوزُ المُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] وإذا أُفْرِدَ وهو تابِعٌ لِمُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ فَهو بِتَقْدِيرِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ، أيْ: مِثْلَيْنِ وأمْثالٍ. والمَعْنى هُنا: بِعَشْرِ سُوَرٍ أمْثالِهِ ذَهابًا إلى مُماثَلَةِ كُلِّ سُورَةٍ مِنها لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَعَ التَّحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهي مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعُجِّزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قِيلَ لَهم: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرِ أمْثالِهِ في التَّقْدِيرِ، والغَرَضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَّوْسِعَةِ. ولَيْسَ المَعْنى: عارِضُوا عَشْرَ سُوَرٍ بِعَشْرٍ، لِأنَّ هَذِهِ إنَّما كانَتْ تَجِيءُ مُعارَضَةَ سُورَةٍ بِسُورَةٍ مُفْتَراةٍ، ولا يُبالِي عَنْ تَقْدِيمِ نُزُولِ هَذِهِ عَلى هَذِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ أنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ الرَّيْبِ، ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ إنَّما التَّكْلِيفُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ افْتَراهُ وكُلِّفُوا نَحْوَ ما قالُوا: ولا يَطَّرِدُ هَذا في آيَةِ يُونُسَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى تِلْكَ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ الواحِدَةُ إلّا مُفْتَراةً، وآيَةُ سُورَةِ يُونُسَ في تَكْلِيفِ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٍ عَلى قَوْلِهِمُ: افْتَراهُ، وكَذَلِكَ آيَةُ البَقَرَةِ إنَّما رَمَتْهم بِأنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى. وقائِلُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَلْحَظِ الفَرْقَ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ في كَمالِ المُماثَلَةِ مَرَّةً، ووُقُوفِها عَلى النَّظْمِ مَرَّةً، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِثْلِهِ)، لا يُرادُ بِهِ المِثْلِيَّةُ في كَوْنِ المُعارِضِ عَشْرَ سُورٍ، بَلْ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلى: مُماثَلَةٍ في مِقْدارٍ ما مِنَ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ السُّوَرَ الَّتِي وقَعَ بِها طَلَبُ المُعارَضَةِ لَها هي مُعَيَّنَةٌ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والأنْفالُ، والتَّوْبَةُ، ويُونُسُ، وهُودٌ. فَقَوْلُهُ: (مِثْلِهِ)، أيْ: مِثْلُ هَذِهِ عَشْرُ السُّوَرِ، وهَذِهِ السُّوَرُ أكْثَرُها مَدَنِيٌّ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِـ مَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ ؟ ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم، عائِدٌ عَلى مَن طَلَبَ مِنهُمُ المُعارَضَةَ، ولَكم: الضَّمِيرُ جَمْعٌ يَشْمَلُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ. وجازَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَما جاءَ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: ضَمِيرُ يَسْتَجِيبُوا عائِدٌ عَلى المَدْعُوِّينَ، ولَكم: خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى المُعارَضَةِ فَأذْعَنُوا حِينَئِذٍ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ أُنْزِلَ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وإخْبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْهِ، (p-٢٠٩)وأعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: تابِعُونَ لِلْإسْلامِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ ؟ وعَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعْنًى (فاعْلَمُوا): أيْ: دُومُوا عَلى العِلْمِ وازْدادُوا يَقِينًا وثَباتَ قَدَمٍ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ومَعْنى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أيْ: مُخْلِصُوا الإسْلامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِلْمِ اللَّهِ: بِإذْنِ اللَّهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بِأمْرِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ عائِدٌ عَلى ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، وفي لَكم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ولِكَوْنِ الخِطابِ يَكُونُ لِواحِدٍ، ولِتَرَتُّبِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ تَرَتُّبًا حَقِيقِيًا مِنَ الأمْرِ بِالعِلْمِ، ولا يَتَحَرَّرُ بِأنَّهُ أرادَ بِهِ: فَدُومُوا عَلى العِلْمِ، ودُومُوا عَلى العِلْمِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ولِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: تَحْرِيضًا عَلى تَحْصِيلِ الإسْلامِ، لا أنَّهُ يُرادُ بِهِ: الإخْلاصُ. ولَمّا طُولِبُوا بِالمُعارَضَةِ وأُمِرُوا بِأنْ يَدْعُوا مَن يُساعِدُهم عَلى تَمَكُّنِ المُعارَضَةِ، ولا اسْتَجابَ أصْنامُهم ولا آلِهَتُهم لَهم، أُمِرُوا بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ مُفْتَرًى فَتُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالأُلُوهِيَّةِ لا يَشْرَكُهُ في شَيْءٍ مِنها آلِهَتُهم وأصْنامُهم، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إنَّما نَزَّلَ) بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ التَّنْزِيلَ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: إنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِوُجُودِ جَوازِ الحَذْفِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب