الباحث القرآني

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولٌ﴾ بَدَلٌ مِنها بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ هي رَسُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ مُفِيدٌ لِلْفَخامَةِ الإضافِيَّةِ فَهو مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صِفَتِهِ الأُولى كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ﴿صُحُفًا﴾ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صِفَتِها الأُولى أعْنِي ﴿مُطَهَّرَةً﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصِّفَةُ أوِ الحالُ هُنا الجارَّ والمَجْرُورَ فَقَطْ، وكُتُبٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإطْلاقُ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وعَلى المَعْنى الأخِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّ أخْلاقَهُ وصِفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ كَما قالَ الغَزالِيُّ في المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ. وأشارَ إلَيْهِ البُوصِيرِيُّ بِقَوْلِهِ: ؎كَفاكَ بِالعِلْمِ في الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً في الجاهِلِيَّةِ والتَّأْدِيبِ في اليُتْمِ ويُعْلَمُ مِنهُ حِكْمَةُ جَعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتِيمًا أوْ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ مُعْجِزاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرُ ما ذُكِرَ وظُهُورُها. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ لِأنَّهُ مُبَيِّنٌ لِلْحَقِّ أوْ مُعْجِزٌ مُثْبِتٌ لِلْمُدَّعى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، و( رَسُولٌ ) عَلَيْهِ قِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: بَيِّنَةٌ أوْ وحَيٌّ أوْ مُعْجِزٌ أوْ كِتابُ رَسُولٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هي رَسُولٌ ويُقَدَّرُ مَعَهُ مُضافٌ كَما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿رَسُولٌ﴾ مُبْتَدَأً لِوَصْفِهِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿يَتْلُو﴾ إلَخْ. وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرُهُ مُفَسِّرَةٌ لِلْبَيِّنَةِ. وقِيلَ: اعْتِراضٌ لِمَدْحِها وقِيلَ: صِفَةٌ لَها مُرادًا بِها القُرْآنُ ويُرادُ بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ البَيِّنَةُ وقَدْ وُضِعَتْ مَوْضِعَ ضَمِيرِها فَكانَتِ الرّابِطَ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: «رَسُولًا» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ البَيِّنَةِ، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وكَذا الصِّحافُ القَراطِيسُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها وأصْلُها المَبْسُوطُ مِنَ الشَّيْءِ، والمُرادُ بِتَطْهِيرِها تَنْزِيهُها عَنِ الباطِلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَطْهِيرُ مَن يَمَسُّها عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: صُحُفًا لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، والمُرادُ بِالكُتُبِ المَكْتُوباتُ وبِالقَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةُ واسْتِقامَتُها نُطْقُها بِالحَقِّ. وفي التَّيْسِيرِ: هي كُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لَها؛ فَكَأنَّها فِيهِ ووَصْفُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتِلاوَةِ الصُّحُفِ المَذْكُورَةِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ الكِتابَ كَما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ مِن بابِ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا قَرَأ ما فِيها فَكَأنَّهُ قَرَأها. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ مِثْلَ صُحُفٍ، وقِيلَ «فِي» ضَمِيرٌ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتِلاوَتِهِ مِثْلَ ما فِيها بِتالِيها أوِ الصُّحُفُ مَجازٌ عَمّا فِيها بِعَلاقَةِ الحُلُولِ. فَفي ضَمِيرِ «فِيها» اسْتِخْدامٌ لِعَوْدِهِ عَلى الصُّحُفِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالصُّحُفِ صُحُفُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُنْتَسَخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِتَطْهِيرِها ما سَبَقَ، والمُرادُ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها ظاهِرٌ وجَعْلُها (p-202)مَجازًا عَنْ وحْيِهِ إيّاها غَيْرُ وجِيهٍ، والأوْلى حَمْلُ الرَّسُولِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وغَيْرِهِما. وقَدِ اخْتَلَفُوا في المَعْنى المُرادِ بِالآيَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا حَتّى قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: إنَّها مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الكُفْرَ وصْفٌ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ قَبْلَ البَعْثَةِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُنْفَكِّينَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ حَتّى يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ و«حَتّى» لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَتَقْتَضِي أنَّهُمُ انْفَكُّوا عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الواقِعِ، ويُناقِضُهُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب