الباحث القرآني
سُورَةُ البَيِّنَةِ
وتُسَمّى سُورَةَ القِيامَةِ، وسُورَةَ البَلَدِ، وسُورَةَ المُنْفَكِّينَ، وسُورَةَ البَرِيَّةِ وسُورَةَ لَمْ يَكُنْ. قالَ في البَحْرِ: مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ مَدَنِيَّةٌ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: الأشْهَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي خَيْثَمَةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ». فَقالَ أُبَيٌّ: أوَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ». فَبَكى».
وهَذا هو الأصَحُّ. وآيُها تِسْعٌ في البَصْرِيِّ وثَمانٍ في غَيْرِهِ.
وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ أوِ المَدَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْمَعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لا أسْألُكَ عَلى حالٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَأُمَكِّنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى»».
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ إلَخْ. كالتَّعْلِيلِ لِإنْزالِ القُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنّا» أنْزَلْناهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْتِيَهم رَسُولٌ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً وهي ذَلِكَ المُنَزَّلُ؛ فَلا تَغْفُلْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى، وإيرادُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ قِيلَ لِإعْظامِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ فَإنَّ مَناطَ ذَلِكَ وِجْدانُهم لَهُ في كِتابِهِمْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى وجْهٍ يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ بَعْدُ.
وإيرادُ الصِّلَةِ فِعْلًا لِما أنَّ كُفْرَهم حادِثٌ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالآحادِ في صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِن لِلتَّبْعِيضِ كَما قالَ عَلَمُ الهُدى الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ لا لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكْفُرْ بَعْدَ نَبِيِّهِ وكانَ عَلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى، وعَدَّ مِن ذَلِكَ المَلْكانِيَّةَ مِنَ النَّصارى فَقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى الحَقِّ قَبْلَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والتَّبْيِينُ يَقْتَضِي كُفْرَ جَمِيعِهِمْ قَبْلَ البَعْثِ والظّاهِرُ خِلافُهُ. وأُيِّدَ إرادَةُ التَّبْعِيضِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِأطْرافِ المَدِينَةِ مِن بَنِي قُرَيْظَةِ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقالَ بَعْضٌ: لا نُسَلِّمُ أنَّ التَّبْيِينَ يَقْتَضِي كُفْرَ جَمِيعِهِمْ قَبْلَ البَعْثِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينِ كَفَرُوا بِاعْتِبارِ حالِهِمْ بَعْدَ البِعْثَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ وبُيِّنُوا بِأهْلِ الكِتابِ.
﴿والمُشْرِكِينَ﴾ وهم مِنَ اعْتَقَدُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ شَرِيكًا صَنَمًا أوْ غَيْرَهُ، وخَصَّهم بَعْضٌ بِعَبَدَةِ الأصْنامِ لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ وما حَوْلَهُما كانُوا كَذَلِكَ وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ. وأيًّا ما كانَ فالعَطْفُ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ولا يَلْزَمُ عَلى التَّبْعِيضِ أنْ لا يَكُونَ بَعْضُهم كافِرِينَ لِيَجِبَ العُدُولُ عَنْهُ لِلتَّبْيِينِ؛ لِأنَّهم بَعْضٌ مِنَ المَجْمُوعِ كَما أفادَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ. واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُشْرِكِينَ أهْلُ الكِتابِ وشِرْكُهم لِقَوْلِهِمُ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. والعَطْفُ لِمُغايَرَةِ العُنْوانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقُرِئَ: «والمُشْرِكُونَ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ، وحَمْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى (p-201)ذَلِكَ واعْتِبارُ أنَّ الجَرَّ لِلْجِوارِ لا يَخْفى حالُهُ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( كَفَرُوا ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ خَبَرُ يَكُنْ، والِانْفِكاكُ في الأصْلِ افْتِراقُ الأُمُورِ المُلْتَحِمَةِ بِنَوْعِ مُزايَلَةٍ، وأُرِيدَ بِهِ المُفارَقَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِمّا سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فالوَصْفُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ انْفَكَّ التّامَّةِ دُونَ النّاقِصَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وزَعَمَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ وصْفٌ مِنها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ واعِدِينَ اتِّباعَ الحَقِّ أوْ نَحْوَهُ. وتُعُقِّبَ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ بِأنَّ خَبَرَ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ في السِّعَةِ لا اقْتِصارًا وحِينَ لَيْسَ مُجِيرٌ؛ أيْ في الدُّنْيا ضَرُورَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُنْفَكِّينَ والبَيِّنَةُ صِفَةٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ المُبَيِّنِ لِلْحَقِّ أوْ هي بِمَعْناها المَعْرُوفِ وهو الحُجَّةُ المُثْبِتَةُ لِلْمُدَّعِي ويُرادُ بِها المُعْجِزُ وعَلى الوَجْهَيْنِ.
{"ayah":"لَمۡ یَكُنِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ مُنفَكِّینَ حَتَّىٰ تَأۡتِیَهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











