الباحث القرآني

﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ فَإنَّهُ لا يَزالُ يُقاسِي فُنُونَ الشَّدائِدِ مِن وقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ إلى حِينِ نَزْعِها وما وراءَهُ يُقالُ: كَبِدَ الرَّجُلُ كَبَدًا فَهو أكْبَدُ إذا وجِعَتْهُ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ فاتُّسِعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ لِمُقاساةِ الشَّدائِدِ، كَما قِيلَ: كَبَتَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، وأصْلُهُ كَبَدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيَدٌ يَرْثِي أخاهُ: ؎يا عَيْنُ هَلْ بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُضُومُ في كَبَدِ أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ ويُكابِدُ الصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ وأبِي صالِحٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ أنَّهم قالُوا: أيْ: خَلَقْناهُ مُنْتَصِبَ القامَةِ واقِفًا ولَمْ نَجْعَلْهُ مُنْكَبًّا عَلى وجْهِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: أيْ: مُنْتَصِبًا رَأْسُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ فَإذا أُذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ قَلَبَ رَأْسَهُ إلى قَدَمَيْ أُمِّهِ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها بِخِلافِ الأوَّلِ وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَقَدْ خَلَقْناهُ في مَرَضٍ شاقٍّ وهو مَرَضُ القَلْبِ وفَسادِ الباطِنِ، وهَذا بِناءً عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ مِنَ الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ والمُرادُ بِالإنْسانِ عَلَيْهِ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم حِينَ خَلَقَهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عَلى ما عَداهُ جِنْسُ الإنْسانِ مُطْلَقًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالكَبِدِ السَّماءُ، وشاعَ في وسَطِ السَّماءِ كالكُبَيْداءِ والكُبَيْداةِ والكَبْداءِ وأكْبَدَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب