الباحث القرآني
﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ ( ﴿نِفاقًا﴾ ) أيْ: سُوءَ عَقِيدَةٍ وكَفْرًا مُضْمَرًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيِ: اللَّهَ تَعالى، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وقْتُ المَوْتِ؛ فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في أعْقَبَ لِلَّهِ تَعالى، وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ )، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ بِالنِّفاقِ بَعْضُ مَعْناهُ، وتَمامُهُ إظْهارُ الإسْلامِ وإضْمارُ الكُفْرِ، ولَيْسَ بِمُرادٍ كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ، ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلْبُخْلِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ إذْ لَيْسَ لِقَوْلِنا أعْقَبَهُمُ البُخْلُ نِفاقًا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ إلَخْ (p-145)كَثِيرُ مَعْنًى، ولا يُتَصَوَّرُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُعَلَّلَ النِّفاقُ بِالبُخْلِ أوَّلًا ثُمَّ يُعَلَّلَ بِأمْرَيْنِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عَطْفٍ، ألا تَرى لَوْ قُلْتَ: حَمَلَنِي عَلى إكْرامِ زَيْدٍ عِلْمُهُ لِأجْلِ أنَّهُ شُجاعٌ وجَوادٌ كانَ خُلْفًا حَتّى تَقُولَ حَمَلَنِي عَلى إكْرامِ زَيْدِ عِلْمُهُ وشَجاعَتُهُ وجُودُهُ.
وقالَ الإمامُ: ولِأنَّ غايَةَ البُخْلِ تَرْكُ بَعْضِ الواجِباتِ وهو لا يُوجِبُ حُصُولَ النِّفاقِ الَّذِي هو كُفْرٌ وجَهْلٌ في القَلْبِ كَمُلَ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الفُسّاقِ، وكَوْنُ هَذا البُخْلِ بِخُصُوصِهِ يَعْقُبُ النِّفاقَ والكُفْرَ لِما فِيهِ مِن عَدَمِ إطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخُلْفِ وعْدِهِ كَما قِيلَ لا يَقْتَضِي الأرْجَحِيَّةَ بَلِ الصِّحَّةَ ولَعَلَّها لا تُنْكَرُ، واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ كانَ لِنَزْغَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ هي أنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي بِالنِّفاقِ ولا يَخْلُقُهُ لِقاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْبُخْلِ أيْضًا، والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ يَلْقَوْنَ جَزاءَهُ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ.
والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوهُ تَعالى مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وبِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الكَذِبِ في جَمِيعِ المَقالاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وعْدُهُمُ المَذْكُورُ، وقِيلَ: المُرادُ كَذِبُهم فِيما تَضَمَّنَهُ خُلْفُ الوَعْدِ، فَإنَّ الوَعْدَ وإنْ كانَ إنْشاءً لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْخَبَرِ، فَإذا تَخَلَّفَ كانَ قَبِيحًا مِن وجْهَيْنِ الخُلْفِ والكَذِبِ الضِّمْنِيِّ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ تَخْصِيصَ الكَذِبِ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إلى تَخْلِيَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ عَنِ المَزِيَّةِ، وقَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى خَصْلَتَيْنِ مِن خِصالِ المُنافِقِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» ويُسْتَفادُ مِنَ الصِّحاحِ آيَةٌ أُخْرى لَهُ «إذا خاصَمَ فَجَرَ» . واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ الخِصالَ قَدْ تُوجَدُ في المُسْلِمِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ، بَلْ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا اليَوْمَ مُتَّصِفُونَ بِأكْثَرِها أوْ بِها كُلِّها، وأُجِيبُ بِأنَّ المَعْنى أنَّ هَذِهِ الخِصالَ خِصالُ نِفاقٍ وصاحِبَها يُشْبِهُ المُنافِقِينَ في التَّخَلُّقِ بِها، والمُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا» أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِالمُنافِقِينَ لا أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَقِيقَةً.
وقِيلَ: إنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ في هَذا البابِ إنَّما هي فِيمَن كانَتْ تِلْكَ الخِصالُ غالِبَةً عَلَيْهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِها ولا نادِمٍ عَلى ارْتِكابِها، ومِثْلُهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا حَقِيقَةً، وقِيلَ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهم حَدَّثُوا في أيْمانِهِمْ فَكَذَبُوا واؤْتُمِنُوا عَلى دَيْنِهِمْ فَخانُوا، ووُعِدُوا في النُّصْرَةِ لِلْحَقِّ فَأخْلَفُوا، وخاصَمُوا فَفَجَرُوا، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وإلَيْهِ رَجَعَ الحَسَنُ بَعْدَ أنْ كانَ عَلى خِلافِهِ، قالَ القاضِي عِياضٌ: وإلَيْهِ مالَ أكْثَرُ أئِمَّتِنا، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وهو خارِجٌ مَخْرَجَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما بالُ أقْوامٍ يَفْعَلُونَ كَذا» لِأُناسٍ مَخْصُوصِينَ مَنَعَهُ كَرْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُواجِهَهم بِصَرِيحِ القَوْلِ، وحَكى الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأخْبارِ تَحْذِيرُ المُسْلِمِ أنْ يَعْتادَ هَذِهِ الخِصالَ ولَعَلَّهُ راجِعٌ إلى ما أُجِيبَ بِهِ أوَّلًا، وبِالجُمْلَةِ يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ اجْتِنابُ هَذِهِ الخِصالِ فَإنَّها في غايَةِ القُبْحِ عِنْدَ ذَوِي الكَمالِ:
؎مَساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ
وقُرِئَ ( يُكَذِّبُونَ ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
{"ayah":"فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقࣰا فِی قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ یَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَاۤ أَخۡلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ یَكۡذِبُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











