الباحث القرآني
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ مِنهم مَنِ الجَرائِمِ المُوجِبَةِ لِما مَرَّ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْدِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ والآخَرُ مِن غِفارَ، وكانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفاءَ الأنْصارِ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَيْنِيِّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأوْسِ انْصُرُوا أخاكُمْ، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ ﷺ وحاشاهُ مِمّا يَقُولُ هَذا المُنافِقُ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَهُ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ قالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَهُما عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأحْسَنُهم عِنْدِي أثَرًا، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُها لَتَفْضَحَنَّكَ ولَئِنْ سَكَتُّ عَنْها لَتُهْلِكُنِي ولَإحْداهُما أشُدُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَ ولَقَدْ كَذَبَ عَلِيَّ عُمَيْرٌ فَنَزَلَتْ».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُذُنِ عُمَيْرٍ قالَ: وفَتْ أُذُنُكَ يا غُلامُ وصَدَقَكَ رَبُّكَ وكانَ يَدْعُو حِينَ حَلَفَ الجُلاسُ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصّادِقِ وتَكْذِيبَ الكاذِبِ»، وأخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ الجُلاسَ تابَ بَعْدَ نُزُولِها وقُبِلَ مِنهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ العَيْنَيْنِ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟ فانْطَلَقَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ تَعالى ما قالُوا حَتّى تَجاوَزَ عَنْهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، وإسْنادُ الحَلِفِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَقِيلَ: لِأنَّهم رَضُوا بِذَلِكَ واتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَهو مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ، أوْ لِأنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ لِرِضاهم بِهِ كَأنَّهم فَعَلُوهُ ولا حاجَةَ إلى عُمُومِ المَجازِ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقِ والمَجازِ جائِزٌ في المَجازِ العَقْلِيِّ ولَيْسَ مَحَلًّا لِخِلافٍ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في ( يَحْلِفُونَ ) عَلى سائِرِ الرِّواياتِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ وهو قائِمٌ مَقامَ القَسَمِ، و﴿ما قالُوا﴾ جَوابُهُ ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ (p-139)هِيَ ما حُكِيَ مِن قَوْلِهِمْ: واللَّهِ ما مَثَلُنا إلَخْ، أوْ واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا إلَخْ، أوِ الشَّتْمُ الَّذِي وبَّخَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها اعْتِراضٌ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أظْهَرُوا ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ إظْهارِ الإسْلامِ وإلّا فَكُفْرُهُمُ الباطِنُ كانَ ثابِتًا قَبْلُ والإسْلامُ الحَقِيقِيُّ لا وُجُودَ لَهُ ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِنَ الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: «كُنْتُ آخِذًا بِخِطامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقُودُ بِهِ وعَمّارٌ يَسُوقُ، أوْ أنا أسُوقُ وعَمّارٌ يَقُودُ، حَتّى إذا كُنّا بِالعَقَبَةِ فَإذا أنا بِاثْنَيْ عَشَرَ راكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوا فِيها فَأنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ عَرَفْتُمُ القَوْمَ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ كانُوا مُتَلَثِّمِينَ، ولَكِنْ قَدْ عَرَفْنا الرِّكابَ، قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ ما أرادُوا؟ قُلْنا: لا، قالَ: أرادُوا أنْ يُزِلُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العَقَبَةِ فَيُلْقُوهُ مِنها، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلا تَبْعَثُ إلى عَشائِرِهِمْ حَتّى يَبْعَثَ لَكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صاحِبِهِمْ قالَ: أكْرَهُ أنْ يَتَحَدَّثَ العَرَبُ عَنّا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قاتَلَ بِقَوْمٍ حَتّى إذا أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهم، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الدُّبَيْلَةُ؟ قالَ: شِهابٌ مِن نارٍ يَقَعُ عَلى نِياطِ قَلْبِ أحَدِهِمْ فَيَهْلَكُ» وكانُوا كُلُّهم كَما أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنَ الأنْصارِ أوْ مِن حُلَفائِهِمْ لَيْسَ فِيهِمْ قُرَشِيٌّ، ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ ثَمانِيَةً مِنهم مِن قُرَيْشٍ وأرْبَعَةً مِنَ العَرَبِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وقَدْ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ مِن رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ أسْماءَهم وعَدَّ مِنهُمُ الجُلاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ رِوايَةُ أنَّهُ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخَبَرِ «هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ إخْراجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَدِينَةِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ المارُّ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ وعَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهم أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بِتاجٍ ويَجْعَلُوهُ حَكَمًا ورَئِيسًا بَيْنَهم وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: أرادُوا أنْ يَقْتُلُوا عُمَيْرًا لِرَدِّهِ عَلى الجُلاسِ كَما مَرَّ.
﴿وما نَقَمُوا﴾ أيْ: ما كَرِهُوا وعابُوا شَيْئًا ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ وما نَقَمُوا الإيمانِ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِإغْناءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا مِن أعَمِّ العِلَلِ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ما لِي عِنْدَكَ ذَنْبٌ إلّا أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وقَوْلُهُ:
؎ما نَقَمَ النّاسُ مِن أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
وهُوَ مُتَّصِلٌ عَلى ادِّعاءِ دُخُولِهِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُفَرَّغَ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا، وفِيهِ تَهَكُّمٌ وتَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِخِلافِهِ كَقَوْلِهِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ
البَيْتَ، وأصْلُ النِّقْمَةِ كَما قالَ الرّاغِبُ الإنْكارُ بِاللِّسانِ والعُقُوبَةُ، والأمْرُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَيَحْتاجُ إلى ارْتِكابِ المَجازِ بِأنْ يُرادَ وِجْدانُ ما يُورِثُ النِّقْمَةَ ويَقْتَضِيهِ، وضَمِيرُ ( أغْناهم ) لِلْمُنافِقِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وكانَ إغْناؤُهم بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى قُتِلَ وقَدْ غُلِبَ عَلى دِيَتِهِ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فَأخَذَها واسْتَغْنى، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ الدِّيَةَ كانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وزِيادَةَ الألْفَيْنِ كانَتْ عَلى عادَتِهِمْ في الزِّيادَةِ عَلى الدِّيَةِ تَكَرُّمًا، وكانُوا يُسَمُّونَها شَنَقًا كَما في الصِّحاحِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ جُلاسٌ تَحَمَّلَ حَمالَةً أوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأدّى عَنْهُ (p-140)رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ الآيَةَ»، ولا يَخْفى أنَّ الإغْناءَ عَلى الأوَّلِ أظْهَرُ، وقِيلَ: كانَ إغْناؤُهم بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الغَنائِمِ فَقَدْ كانُوا كَما قالَ الكَلْبِيُّ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ مَحاوِيجَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُثْرُوا بِها، والضَّمِيرُ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَضَمِّنًا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِالحَسَدِ كَما أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُتَضَمِّنٌ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَرْكِ الشُّكْرِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ فَضْلِهِ لا يَخْفى وجْهُهُ ﴿فَإنْ يَتُوبُوا﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ ( ﴿يَكُ﴾ ) أيِ: التَّوْبُ، وقِيلَ: أيِ التَّوْبَةُ، ويُغْتَفَرُ مِثْلُ ذَلِكَ في المَصادِرِ.
وقَدْ يُقالُ: التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ ) أيْ في الدّارَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ كانَتْ سَبَبًا لِتَوْبَتِهِ وحُسْنِ إسْلامِهِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ وكَرَمًا ﴿وإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ عَنْ إخْلاصِ الإيمانِ أوْ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْبَةِ.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ بِمَتاعِبِ النِّفاقِ وسُوءِ الذِّكْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِعَذابِ الدُّنْيا عَذابُ القَبْرِ أوْ ما يُشاهِدُونَهُ عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القَتْلُ ونَحْوُهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُقْتَلُونَ إنْ أظْهَرُوا الكُفْرَ بِناءًا عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ مَظِنَّةُ الإظْهارِ فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهم لا يُقْتَلُونَ وأنَّ الجِهادَ في حَقِّهِمْ غَيْرُ ما هو المُتَبادَرُ.
( ﴿والآخِرَةِ﴾ ) وعَذابُهم فِيها بِالنّارِ وغَيْرِها مِن أفانِينِ العِقابِ ﴿وما لَهم في الأرْضِ﴾ أيْ في الدُّنْيا، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلتَّعْمِيمِ أيْ ما لَهم في جَمِيعِ بِقاعِها وسائِرِ أقْطارِها ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يُنْقِذُهم مِنَ العَذابِ بِالشَّفاعَةِ أوِ المُدافَعَةِ، وخَصَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا ولِيَّ ولا نُصَيْرَ لَهم في الآخِرَةِ قَطْعًا فَلا حاجَةَ لِنَفْيِهِ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلى سائِرِ الأحْبابِ حَيْثُ آذَنَهُ بِالعَفْوِ قَبْلَ العِتابِ، ولَوْ قالَ لَهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم عَفا اللَّهُ عَنْكَ لَذابَ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ بِالماضِي المُشِيرِ إلى سَبْقِ الِاصْطِفاءِ لِئَلّا يُوحِشَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِانْتِظارُ ويَشْتَغِلُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ بِاسْتِمْطارِ العَفْوِ مِن سَحابِ ذَلِكَ الوَعْدِ المِدْرارِ، وانْظُرْ كَمْ بَيْنَ عِتابِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِحَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإذْنِ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ وبَيْنَ رَدِّهِ تَعالى عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ:
﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ الفَرْقُ وهو لَعَمْرِي غَيْرُ خَفِيٍّ بَيْنَ مَقامِ الحَبِيبِ ورُتْبَةِ الصَّفِيِّ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُحِبَّ يَعْتَذِرُ عَنْ حَبِيبِهِ ولا يُنْقِصُهُ عِنْدَهُ كَلامُ مُعِيبِهِ، وأنْشَدَ:
؎ما حَطَّكَ الواشُونَ عَنْ رُتْبَةٍ كَلّا وما ضَرَّكَ مُغْتابُ
؎كَأنَّهم أثْنَوْا ولَمْ يَعْلَمُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابُوا
وقالَ الآخَرُ:
؎فِي وجْهِهِ شافِعٌ يَمْحُو إساءَتَهُ ∗∗∗ عَنِ القُلُوبِ ويَأْتِي بِالمَعاذِيرِ
وقالَ:
؎وإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ
(p-141)وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ بِخَبَرِ خَيْرٍ طارَ إلَيْهِ وأتاهُ ولَوْ مَشْيًا عَلى رَأْسِهِ ويَدَيْهِ ولا يَفْتَحُ فِيهِ فاهٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وهَلْ يَسْتَأْذِنُ في شُرْبِ الماءِ ظَمْآنُ؟ وقالَ الواسِطِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَأْذُونٌ في سائِرِ أحْوالِهِ إنْ قامَ قامَ بِإذْنٍ وإنْ قَعَدَ قَعَدَ بِإذْنٍ، وإنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عِبادًا بِهِ يَقُومُونَ وبِهِ يَقْعُدُونَ، ومِن شَأْنِ المَحَبَّةِ امْتِثالُ أمْرِ المَحْبُوبِ كَيْفَما كانَ:
؎لَوْ قالَ تِيهًا قِفْ عَلى جَمْرِ الغَضى ∗∗∗ لَوَقَفْتُ مُمْتَثِلًا ولَمْ أتَوَقَّفِ
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلَخْ أيْ إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ المُنافِقُونَ رَجاءَ أنْ لا تَأْذَنَ لَهم بِالخُرُوجِ فَيَسْتَرِيحُوا مِن نَصَبِ الجِهادِ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ فَقَدْ قِيلَ:
لَوْ صَحَّ مِنكَ الهَوى أُرْشِدْتَ لِلْحِيَلِ
( ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ ) إشارَةً إلى خِذْلانِهِمْ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ لِأنَّ الأخْلاقَ السَّيِّئَةَ والأعْمالَ القَبِيحَةَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ وهي النّارُ بِعَيْنِها، غايَةَ الأمْرِ أنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وسَتَظْهَرُ في النَّشْأةِ الأُخْرى بِالصُّورَةِ الأُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ ) فِيهِ إشارَةٌ إلى حِرْمانِهِمْ لَذَّةَ طَعْمِ العُبُودِيَّةِ واحْتِجابِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ جَمالِ مَعْبُودِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ المُصَلِّيَ يُناجِي رَبَّهُ وأنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ العَبْدِ إلى مَوْلاهُ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: مَن لَمْ يَعْرِفِ الآمِرَ قامَ إلى الأمْرِ عَلى حَدِّ الكَسَلِ، ومَن عَرَفَ الآمِرَ قامَ إلى الأمْرِ عَلى حَدِّ الِاسْتِغْنامِ والِاسْتِرْواحِ، ولِذا «كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِبِلالٍ: أرِحْنا يا بِلالُ،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَحْسِنُوا ما مَعَ أهْلِ الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والزِّينَةِ فَيَحْتَجِبُوا بِذَلِكَ عَنْ عَمَلِ الآخِرَةِ ورُؤْيَتِها، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ النّاظِرَ إلى الدُّنْيا بِعَيْنِ الِاسْتِحْسانِ مِن حَيْثُ الشَّهْوَةِ والنَّفْسِ والهَوى يَسْقُطُ في ساعَتِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ أسْرارِ المَلَكُوتِ وأنْوارِ الجَبَرُوتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ إلَخْ فِيهِ إرْشادٌ إلى آدابِ الصّادِقِينَ والعارِفِينَ والمُرِيدِينَ، وعَلامَةُ الرّاضِي النَّشاطُ بِما اسْتَقْبَلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالبَلاءِ، فَكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ.
رُؤى أعْمى أقْطَعُ مَطْرُوحٌ عَلى التُّرابِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى ويَشْكُرُهُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: وعِزَّتِهِ وجَلالِهِ لَوْ قَطَّعَنِي إرْبًا إرْبًا ما ازْدَدْتُ لَهُ إلّا حُبًّا، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
؎أنا راضٍ بِالَّذِي تَرْضَوْنَهُ ∗∗∗ لَكُمُ المِنَّةُ عَفْوًا وانْتِقامًا
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَسَّمَ جَوائِزَ فَضْلِهِ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ مِن عِبادِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ إلَخْ، والفُقَراءُ في قَوْلٍ المُتَجَرِّدُونَ بِقُلُوبِهِمْ وأبْدانِهِمْ عَنِ الكَوْنَيْنِ ( ﴿والمَساكِينِ﴾ ) هُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا إلى جَمالِ الأُنْسِ ونُورِ القُدْسِ حاضِرِينَ في العُبُودِيَّةِ بِنُفُوسِهِمْ غائِبِينَ في أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ بِقُلُوبِهِمْ فَمَن رَآهم ظَنَّهم بِلا قُلُوبٍ ولَمْ يَدَرِ أنَّها تَسْرَحُ في رِياضِ جَمالِ المَحْبُوبِ، وأنْشَدَ:
؎مَساكِينُ أهْلِ العِشْقِ ضاعَتْ قُلُوبُهُمُ ∗∗∗ فَهم أنْفَسٌ عاشُوا بِغَيْرِ قُلُوبِ
( ﴿والعامِلِينَ﴾ ) هم أهْلُ التَّمْكِينِ مِنَ العارِفِينَ وأهْلِ الِاسْتِقامَةَ مِنَ المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ وقَعُوا في نُورِ البَقاءِ فَأوْرَثَهُمُ البَسْطَ والِانْبِساطَ، فَيَأْخُذُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ ويُعْطُونَ لَهُ، وهم خُزّانُ خَزائِنِ جُودِهِ المُنْفِقُونَ عَلى أوْلِيائِهِ، قُلُوبُهم مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا بِغَيْرِهِ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى ( ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ) هُمُ المُرِيدُونَ السّالِكُونَ طَرِيقَ مَحَبَّتِهِ تَعالى بِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وصَفاءِ نِيّاتِهِمْ وبَذَلُوا مُهَجَهم في سُوقِ شَوْقِهِ وهم عِنْدَ الأقْوِياءِ ضُعَفاءُ الأحْوالِ ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ (p-142)هُمُ الَّذِينَ رُهِنَتْ قُلُوبُهم بِلَذَّةِ مُحِبَّةِ اللَّهِ تَعالى وبَقِيَتْ نُفُوسُهم في المُجاهَدَةِ في طَرِيقِهِ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْلُغُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى الشُّهُودِ، فَتارَةً تَراهم في لُجَجِ بَحْرِ الإرادَةِ، وأُخْرى في سَواحِلِ بَحْرِ القُرْبِ، وطَوْرًا هَدَفُ سِهامِ القَهْرِ، ومَرَّةً مَشْرِقُ أنْوارِ اللُّطْفِ ولا يَصِلُونَ إلى الحَقِيقَةِ ما دامَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ المُجاهَدَةِ، والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ والأحْرارُ ما وراءَ ذَلِكَ، وقَلِيلٌ ما هم:
؎أتَمَنّى عَلى الزَّمانِ مُحالًا ∗∗∗ أنْ تَرى مُقْلَتايَ طَلْعَةَ حُرٍّ
( ﴿والغارِمِينَ﴾ ) هُمُ الَّذِينَ ما قَضَوْا حُقُوقَ مَعارِفِهِمْ في العُبُودِيَّةِ وما أدْرَكُوا في إيقانِهِمْ حَقائِقَ الرُّبُوبِيَّةِ، والمَعْرِفَةُ غَرِيمٌ لا يَقْضِي دَيْنَهُ ( ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) هُمُ المُحارِبُونَ نُفُوسَهم بِالمُجاهِداتِ والمُرابِطُونَ بِقُلُوبِهِمْ في شُهُودِ الغَيْبِ لِكَشْفِ المُشاهَداتِ ( ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ) هُمُ المُسافِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ في بَوادِي الأزَلِ وبِأرْواحِهِمْ في قِفارِ الأبَدِ وبِعُقُولِهِمْ في طُرُقِ الآياتِ وبِنُفُوسِهِمْ في طَلَبِ أهْلِ الوِلاياتِ ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ عَلى أهْلِ الإيمانِ أنْ يُعْطُوا هَؤُلاءِ الأصْنافَ مِن مالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِدَفْعِ احْتِياجِهِمُ الطَّبِيعِيِّ ( ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ ) بِأحْوالِ هَؤُلاءِ وغَيْبَتِهِمْ عَنِ الدُّنْيا ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) حَيْثُ أوْجَبَ لَهم ما أوْجَبَ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ هَذِهِ الأصْنافَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ ولا أرى التَّفاسِيرَ بِأسْرِها مُتَكَفِّلَةً بِالجَمْعِ والمَنعِ ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ عابُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ مِنَ العَيْبِ بِسَلامَةِ القَلْبِ وسُرْعَةِ القَبُولِ والتَّصْدِيقِ لِما يَسْمَعُ، فَصَدَّقَهم جَلَّ شَأْنُهُ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قُلْ ) هو ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أيْ هو كَذَلِكَ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْرِ، وهَذا مِن غايَةِ المَدْحِ فَإنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ الخَيْرِيَّةَ تَتَأثَّرُ بِما يُناسِبُها، أيْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ ما يَنْفَعُكم وما فِيهِ صَلاحُكم دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، وقَدْ غَرَّهم -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَتّى قالُوا ما قالُوا- كَرَمُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ لَمْ يُشافِهْهم بِرَدِّ ما يَقُولُونَ رَحْمَةً مِنهم بِهِمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العاقِلِ فَقالَ: الفَطِنُ المُتَغافِلُ وأنْشَدَ:
؎وإذا الكَرِيمُ أتَيْتَهُ بِخَدِيعَةٍ ∗∗∗ فَرَأيْتَهُ فِيما تَرُومُ يُسارِعُ
؎فاعْلَمْ بِأنَّكَ لَمْ تُخادِعْ جاهِلًا ∗∗∗ إنَّ الكَرِيمَ لِفَضْلِهِ مُتَخادِعُ
﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: هم مُتَشابِهُونَ في القُبْحِ والرَّداءَةِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ يَبْخَلُونَ أوْ يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ فَهو إشارَةٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ أوْ لا يَنْصُرُونَ المُؤْمِنِينَ أوْ لا يَخْشَعُونَ لِرَبِّهِمْ ويَرْفَعُونَ أيْدِيَهم في الدَّعَواتِ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ ( فَنَسِيَهم ) مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ بِالسَّوِيِّ ( ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ) هي جَنّاتُ النُّفُوسِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَقاماتِ أرْبابِ التَّوَكُّلِ في جَنّاتِ الأفْعالِ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ إشارَةٌ إلى جَنّاتِ الصِّفاتِ ( ذَلِكَ ) أيِ: الرِّضْوانُ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وشَدَّةِ قُرْبِهِمْ ولا بَأْسَ بِإبْقاءِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ ويَكُونُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ إشارَةٌ إلى الرُّؤْيَةِ، فَإنَّ المُحِبَّ لا تَطِيبُ لَهُ الدّارُ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِ:
؎أجِيرانُنا ما أوْحَشَ الدّارَ بَعْدَكم ∗∗∗ إذا غِبْتُمْ عَنْها ونَحْنُ حُضُورُ
ولِكَوْنِ الرِّضْوانِ هو المَدارَ لِكُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ والمُناطُ لِكُلِّ شَرَفٍ وسِيادَةٍ كانَ أكْبَرَ مِن (p-143)هاتَيْكَ الحَنّاتِ والمَساكِنِ.
؎إذا كُنْتَ عَنِّي يا مُنى القَلْبِ راضِيًا ∗∗∗ أرى كُلَّ مَن في الكَوْنِ لِي يَتَبَسَّمُ
نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضْوانَهُ وأنْ يُسْكِنَنا جِنانَهُ.
{"ayah":"یَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدۡ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُوا۟ بَعۡدَ إِسۡلَـٰمِهِمۡ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمۡ یَنَالُوا۟ۚ وَمَا نَقَمُوۤا۟ إِلَّاۤ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن یَتُوبُوا۟ یَكُ خَیۡرࣰا لَّهُمۡۖ وَإِن یَتَوَلَّوۡا۟ یُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِیمࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا نَصِیرࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











