الباحث القرآني
﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ لا تَشْتَغِلُوا بِالِاعْتِذارِ وتَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنْ أصْلِهِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ، وإنَّما نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ ما يَزْعُمُونَهُ مَعْلُومُ الكَذِبِ بَيِّنُ البُطْلانِ والِاعْتِذارُ قِيلَ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ أثَرِ الذَّنْبِ مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرْتُ المَنازِلَ إذا دَرَسَتْ لِأنَّ المُعْتَذِرَ يُحاوِلُ إزالَةَ أثَرِ ذَنْبِهِ وانْدِراسِهِ.
وقِيلَ هو القَطْعُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقُلْفَةِ عُذْرَةٌ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ تُقْطَعُ ولِلْبَكارَةِ عُذْرَةٌ لِأنَّها تُقْطَعُ بِالِافْتِراعِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ فالعُذْرُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِقَطْعِ اللَّوْمِ سُمِّيَ عُذْرًا، والقَوْلانِ مَنقُولانِ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وهُما عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ مُتَقارِبانِ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والطَّعْنُ فِيهِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ: إظْهارِكُمُ الإيمانَ وهَذا وما قَبْلَهُ لِأنَّ القَوْمَ مُنافِقُونَ فَأصْلُ الكُفْرِ في باطِنِهِمْ ولا إيمانَ في نَفْسِ الأمْرِ لَهم.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ ولا خِلافَ بَيْنِ الأئِمَّةِ في ذَلِكَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ عَلى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ المُنافِقِينَ أوْ لِتَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْذِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ مِنهم، والعَفْوُ في ذَلِكَ عَنْ عُقُوبَةِ الدُّنْيا العاجِلَةِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ وهم غَيْرُ التّائِبِينَ أوْ مُباشِرِينَ لَهُ وهم غَيْرُ المُجْتَنِبِينَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ مِن خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ: كانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ مَخْشِيَّ بْنَ حِمْيَرٍ الأشْجَعِيَّ فَتَسَمّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ مَقْتَلُهُ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَلَمْ يُعْلَمْ مَقْتَلُهُ ولا قاتِلُهُ ولَمْ يُرَ لَهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تابَ عَنْ نِفاقِهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي لا أزالُ أسْمَعُ آيَةً تَقْشَعِرُّ مِنها (p-132)الجُلُودُ وتَجُبُ مِنها القُلُوبُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ وفاتِي قَتْلًا في سَبِيلِكَ لا يَقُولُ أحَدٌ أنا غَسَّلْتُ أنا كَفَّنْتُ أنا دَفَنْتُ فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ واسْتُجِيبَ دُعاؤُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن هُنا قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الطّائِفَةَ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إلّا الألْفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الطّائِفَةُ الواحِدُ والنَّفَرُ، وقُرِئَ ( يَعْفُ ) و( يُعَذِّبُ ) بِالياءِ وبِناءِ الفاعِلِ فِيهِما وهو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ ( إنْ تَعْفُ ) و( يُعَذَّبْ ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الفِعْلَ الأوَّلَ مُسْنَدٌ فِيها إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، ومِثْلُهُ يَلْزَمُ تَذْكِيرُهُ ولا يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ إذا كانَ المَجْرُورُ مُؤَنَّثًا، فَيُقالُ: سَيْرٌ عَلى الدّابَّةِ ولا يُقالُ سَيَّرْتُ عَلَيْها، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَيْلِ مَعَ المَعْنى والرِّعايَةِ لَهُ، فَلِذا أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ المَجْرُورِ إذْ مَعْنى ( تَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ ) تُرْحَمُ طائِفَةٌ وهو مِن غَرائِبِ العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: لَوْ قِيلَ بِالمُشاكَلَةِ لَمْ يَبْعُدْ، وقِيلَ: إنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ الذُّنُوبِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُعْفَ هي أيْ الذُّنُوبُ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَشْكَلَ الشَّرْطِيَّةَ مِن حَيْثُ هي بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ ) جَوابًا لِلشَّرْطِ السّابِقِ ومِن شَرْطِ الشَّرْطِ، والجَزاءُ الِاتِّصالُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ في الجُمْلَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ ونَقَلَهُ عَنْهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في ذَيْلِ الفَتاوِي وذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ أحَدًا نَبَّهَ عَلى الجَوابِ عَنْهُ لَكِنَّهُ يُعْلَمُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ، وتَكَلَّمَ بَعْدَ أنْ ساقَ الخَبَرَ بِما لا يَخْلُو عَنْ غُمُوضٍ، ولَقَدْ ذَكَرْتُ السُّؤالَ وأنا في عُنْفُوانِ الشَّبابِ مَعَ جَوابِهِ لِلْعَلّامَةِ المَذْكُورِ لَدى شَيْخٍ مِن أهْلِ العِلْمِ قَدْ حَلَبَ الدَّهْرُ أشْطُرَهُ وطَلَبْتُ مِنهُ حَلَّ ذَلِكَ فَأعْرَضَ عَنْ تَقْرِيرِ الجَوابِ الَّذِي في الذَّيْلِ، وأظُنُّ أنَّ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِهِ، وشَمَّرَ الذَّيْلَ وكَشَفَ عَنْ ساقٍ لِلْجَوابِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ فَقالَ: إنِ الشَّرْطِيَّةُ اتِّفاقِيَّةٌ نَحْوَ قَوْلِكَ: إنْ كانَ الإنْسانُ ناطِقًا فالحِمارُ ناهِقٌ، وشَرَعَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وأجابَ مَوْلانا سَرِيُّ الدِّينِ: بِأنَّ الجَزاءَ مَحْذُوفٌ مُسَبَّبٌ عَنِ المَذْكُورِ أيْ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَفْتَرُوا أوْ فَلا يَفْتَرُوا فَلا بُدَّ مِن تَعْذِيبِ طائِفَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ هَذا التَّقْدِيرُ لا يُفِيدُ سَبَبِيَّةَ مَضْمُونِ الشَّرْطِ لِمَضْمُونِ الجَزاءِ، قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلى سَبَبِيَّتِهِ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِ الجَزاءِ أوْ سَبَبِيَّتِهِ لِلْأمْرِ بِعَدَمِ الِاغْتِرارِ قِياسًا عَلى الأخْبارِ، وقَدْ حَقَّقَ الكَلامَ في ذَلِكَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ ) مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في حاشِيَةِ الكَشّافِ.
{"ayah":"لَا تَعۡتَذِرُوا۟ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَاۤىِٕفَةࣲ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَاۤىِٕفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











