الباحث القرآني
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِما لا يَلِيقُ ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالأيْمانِ لِيَعْذِرُوهم ويَرْضَوْا عَنْهم، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَأرْسَلَ إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعالى ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ: ( يَحْلِفُونَ ) إلَخْ» أيْ يَحْلِفُونَ لَكم أنَّهم ما قالُوا ما نُقِلَ عَنْهم مِمّا يُورِثُ أذاةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُرْضُوكم بِذَلِكَ، وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها أتَوُا المُؤْمِنِينَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ مِن تَخَلُّفِهِمْ ويَعْتَلُّونَ ويَحْلِفُونَ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا مُقْتَصِرًا عَلى الأوَّلِ، ولَعَلَّهُ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ، وإنَّما أفْرَدَ إرْضاءَهم بِالتَّعْلِيلِ مَعَ أنَّ عُمْدَةَ أغْراضِهِمْ إرْضاءُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً لِإرْضائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما لَمْ يُكَذِّبْهم رِفْقًا بِهِمْ وسَتْرًا لِعُيُوبِهِمْ لا عَنْ رِضًى بِما فَعَلُوا وقَبُولٍ قَلْبِيٍّ لِما قالُوا ( ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ) أيْ: أحَقُّ بِالإرْضاءِ مِن غَيْرِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالطّاعَةِ والمُوافَقَةِ لِأمْرِهِ وإيفاءِ حُقُوقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بابِ الإجْلالِ والإعْظامِ حُضُورًا وغَيْبَةً، وأمّا الإيمانُ فَإنَّما يَرْضى بِها مَنِ انْحَصَرَ طَرِيقُ عِلْمِهِ في الأخْبارِ إلى أنْ يَجِيءَ الحَقُّ ويَزْهَقَ الباطِلُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ) والمُرادُ ذَمُّهم بِالِاشْتِغالِ فِيما لا يَعْنِيهِمْ والإعْراضِ عَمّا يُهِمُّهم ويُجْدِيهِمْ.
وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في ( ﴿يُرْضُوهُ﴾ ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ بَعْدَ العَطْفِ بِالواوِ التَّثْنِيَةُ لِأنَّ إرْضاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرْضاءِ اللَّهِ تَعالى و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فَلِتَلازُمِهِما جُعِلا كَشَيْءٍ واحِدٍ فَعادَ إلَيْهِما الضَّمِيرُ المُفْرَدُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإنَّما لَمْ يُثَنَّ تَأدُّبًا لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ: وقَدْ نُهِيَ عَنْهُ عَلى كَلامٍ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ والكَلامُ جُمْلَتانِ حُذِفَ خَبَرُ الأُولى لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
أوْ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ المَذْكُورَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الأُولى وخَبَرُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَحْذُوفٌ، واخْتارَ الأوَّلَ في مِثْلِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ سِيبَوَيْهِ لِقُرْبِ ما جَعَلَ المَذْكُورَ خَبَرًا لَهُ مَعَ السَّلامَةِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، واخْتارَ الثّانِيَ المُبَرِّدِ لِلسَّبْقِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَبَرُ لَهُ لا غَيْرَ ولا حَذْفَ في الكَلامِ لِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإرْضائِهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَمْهِيدًا، فَلِذا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ وخَصَّ الخَبَرَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ولا يَخْفى (p-129)أنَّ اعْتِبارَ الإخْبارِ عَنِ المَعْطُوفِ وعَدَمَ اعْتِبارِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أصْلًا مَعَ أنَّهُ المُسْتَقِلُّ في الِابْتِداءِ في غايَةِ الغَرابَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ إيمانًا صادِقًا في الظّاهِرِ والباطِنِ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما ذُكِرَ فَإنَّهُما أحَقُّ بِالإرْضاءِ.
{"ayah":"یَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِیُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَحَقُّ أَن یُرۡضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤۡمِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











