الباحث القرآني

﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم: الحُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ، ورِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وغَيْرُهم قالُوا ما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الحُلاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ فَإنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ، وفي رِوايَةٍ: أُذُنٌ سامِعَةٌ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ رَجُلًا آدَمَ أحْمَرَ العَيْنَيْنِ أسْفَعَ الخَدَّيْنِ (p-126)مُشَوَّهَ الخِلْقَةِ وكانَ يُنِمُّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المُنافِقِينَ فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، نَقُولُ شَيْئًا ثُمَّ نَأْتِيهِ ونَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَّيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بْنِ الحارِثِ» وأرادُوا سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى وُجُوهَهم وأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم بِقَوْلِهِمْ أُذُنٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ فَيَكُونُ وصْفُ ( أُذُنٌ ) بِما يُفِيدُ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ كَشْفًا لَهُ، وهي في الأصْلِ اسْمٌ لِلْجارِحَةِ، وإطْلاقُها عَلى الشَّخْصِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما يُؤَيِّدُهُ بَعْضُ الرِّواياتِ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ عَلى ما في المِفْتاحِ كَإطْلاقِ العَيْنِ عَلى رَبِيئَةِ القَوْمِ حَيْثُ كانَتِ العَيْنُ هي المَقْصُودَةَ مِنهُ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: ؎إذا ما بَدَتْ لَيْلى فَكُلِّي أعْيُنٌ وإنْ هي ناجَتْنِي فَكُلِّي مَسامِعُ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَـ ”رَجُلٌ عَدْلٌ“ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُبالَغَةُ هُنا عَلى ما قِيلَ في أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ قَوْلٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ لا في مُجَرَّدِ السَّماعِ، وما قِيلَ: إنَّ مُرادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنًا تَصْدِيقُهُ بِكُلِّ ما يُسْمَعُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما يَلِيقُ بِالقَبُولِ لِمُساعَدَةِ أماراتِ الصِّدْقِ لَهُ وبَيْنَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ إطْلاقِ العَيْنِ عَلى الرَّبِيئَةِ، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُذُنِ في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وراءَ الِاسْتِماعِ تَمْيِيزُ حَقٍّ عَنْ باطِلٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: ذُو أُذُنٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مَذْهَبٌ لِرَوْنَقِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أُذُنٌ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً مِن أذِنَ يَأْذَنُ إذْنًا إذا اسْتَمَعَ وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِقَعْنَبٍ: ؎إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا وعَلى هَذا هو صِفَةٌ بِمَعْنى سَمِيعٍ ولا تَجُوزُ فِيهِ، وما تَأذّى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالُوهُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن سائِرِ الأقْوالِ الباطِلَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ويَقُولُونَ﴾ ) إلَخْ غَيْرَ ما تَأذّى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ قَوْلِهِمْ ( ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ ) فَيَكُونُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ و( ﴿يُؤْذُونَ﴾ ) مُضارِعُ آذاهُ والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ أذًى وأذاةٍ وأذِيَّةٍ وجاءَ أيْضًا الإيذاءُ كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً- خَطَأٌ مِنهُ. ( ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ) مِن قَبِيلِ: رَجُلُ صِدْقٍ فَهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، أيْ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ ( ﴿ورَحْمَةٌ﴾ ) فِيما يَأْتِي بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى خَيْرٍ، فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ الأُذُنِ بِالرَّحْمَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ: أُذُنٌ في الخَيْرِ والرَّحْمَةِ، وهَذا كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ أبْلَغُ أُسْلُوبٍ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّ فِيهِ أطْماعًا لَهم بِالمُوافَقَةِ عَلى مَدْعاهم ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ بِحَسْمِ طَمَعِهِمْ وبَتِّ أُمْنِيَتِهِمْ وهو كالقَوْلِ المُوجِبِ، وقَرَأ نافِعٌ ( أُذُنُ ) بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ ( أُذُنٌ ) بِالتَّنْوِينِ فَخَيْرٌ صِفَةٌ لَهُ بِمَعْنى خَيِّرٍ المُشَدَّدِ أوْ أفْعَلِ تَفْضِيلٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنَ خَيْرٍ لَهم، أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ تَعالى لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ والآياتِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ كَما أنَّهُ خَيْرٌ لِلْعالَمِينَ مِمّا لا يَخْفى ( ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ يُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِنَ (p-127)الخُلُوصِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُنْدَرِجٌ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الغالِبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَهُ كَوْنَهُ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ، نَعَمْ قالَ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المَعْنى هو أُذُنُ خَيْرٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ودَلائِلَهُ فَيُصَدِّقُها ويَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ فَيُسَلِّمُهُ لَهم ويُصَدِّقُهم بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ أُذُنُ شَرٍّ يَسْمَعُونَ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْتَفِعُونَ بِها ويَسْمَعُونَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ولا يَقْبَلُونَهُ، وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَسْمَعُ قَوْلَهم إلّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ يَقْبَلُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما زَعَمُوا، وبِهَذا يَصِحُّ وجْهُ التَّفْسِيرِ فَتَدَبَّرْ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في إرادَةِ هَذا المَعْنى مِن هَذا المِقْدارِ مِنَ الآيَةِ بُعْدًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ ويُصَدِّقُهم ولا يُصَدِّقُ المُنافِقِينَ، وإنْ سَمِعَ قَوْلَهم، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ إلى إخْلاصِهِمْ لِما أنَّ فِيهِ انْحِطاطَ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَرْتَبَةِ المُخْلِصِينَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ تَصْدِيقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ فِيما يَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ مِن مُتَمِّماتِ تَصْدِيقِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ في خَيْرِيَّةِ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ بَلْ ولِغَيْرِهِمْ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ. والإيمانُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ) بِمَعْنى الِاعْتِرافِ والتَّصْدِيقِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولِذا عَدّى بِالباءِ، وأمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) فَهو بِمَعْنى جَعَلَهم في أمانٍ مِنَ التَّكْذِيبِ، فاللّامُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ المَعْنى مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ أنَّ الزِّيادَةَ لِتَقْوِيَةِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى مَعْمُولِهِ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قَصْدٌ مِنَ الإيمانِ في الأوَّلِ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ الَّذِي يَتَعَدّى بِها الكَفْرُ حَمْلًا لِلنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ وقَصَدَ مِنَ الإيمانِ في الثّانِي السَّماعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَهُ ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ عِنْدَهُ فَعُدِّيَ بِاللّامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ) حَيْثُ عُدِّيَ الإيمانُ فِيهِ بِاللّامِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ لَهم، وظاهِرُ هَذا أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ مَزِيدَةً لِلتَّقْوِيَةِ كَما في الأوَّلِ، وكَلامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِزِيادَتِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ورَحْمَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ ) أيْ وهو رَحْمَةٌ، وفِيهِ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ ( ﴿آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ﴾ ) أيْ لِلَّذِينِ أظْهَرُوا الإيمانَ حَيْثُ يَقْبَلُهُ مِنهم لَكِنْ لا تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ بَلْ رِفْقًا بِهِمْ وتَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ ولا يَكْشِفُ أسْرارَهم ولا يَهْتِكُ أسْتارَهم. وظاهِرُ كَلامِ الخازِنِ أنَّ المُرادَ ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) المُخْلِصُونَ وذَكَرَ ( مِنكم ) بِاعْتِبارِ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ والحَقُّ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ، وإسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ بِصِيغَةِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الرُّسُوخِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ إيمانَهم أمْرٌ حادِثٌ ما لَهُ مِن قَرارٍ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ رَحْمَةٍ لَكم إلى ما ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( رَحْمَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم ويَسْمَعُ رَحْمَةً وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى آخِرِ مُقَدَّرٍ أيْ تَصْدِيقًا لَهم ورَحْمَةً لَكم ( ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ) أيْ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الإيذاءِ كانَ وفي صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ المُشْعِرَةِ بِتَرَتُّبِ الوَعِيدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إشْعارٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ( ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ المَوْصُولِ وخَبَرُهُ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الخِطابِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِإثْباتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم ثُمَّ جَعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِغايَةِ التَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أذِيَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعَةٌ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مُوجِبَةٌ لِكَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ مِنهُ سُبْحانَهُ. (p-128)وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإيذاءَ لا يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ يَكُونُ بَعْدَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ التَّكَلُّمَ في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما لا يَلِيقُ، وكَذا إيذاءُ أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَإيذاءِ يَزِيدَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّ لَهم ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب