الباحث القرآني

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ بِنِساءِ الرُّومِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أُفْتَتَنُ فائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي فَنَزَلَتْ»، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوَّلًا تُوقِعُنِي في المَعْصِيَةِ والَإثْمِ بِمُخالَفَةِ أمْرِكَ في الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وفي الكَلامِ عَلى هَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ ﷺ أوْ لَمْ يَأْذَنْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفِتْنَةَ بِالضَّرَرِ أيْ لا تُوقِعُنِي في ذَلِكَ فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي لِعَدَمِ مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُعَذِّبْنِي بِتَكْلِيفِ الخُرُوجِ في شِدَّةِ الحَرِّ، وقُرِئَ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ مِن أفْتَنَهُ بِمَعْنى فِتْنَةٍ ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ أيْ في نَفْسِها وعَيْنِها وأكْمَلِ أفْرادِها الغِنى عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ ( ﴿سَقَطُوا﴾ ) لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومُخَلَّصًا عَنْها، وذَلِكَ بِما فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجَراءَةِ عَلى هَذا الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ، وفي (p-114)مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( سُقِطَ ) بِالإفْرادِ مُراعاةً لِلَفْظِ ( مِن ) ولا يَخْفى ما في تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ مِنَ التَّحْقِيقِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الِافْتِتانِ بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المُهْواةِ المُهْلِكَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَكاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لا يَخْفى وجْهُهُ ( ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ) وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا وهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ داخِلٌ تَحْتَ التَّنْبِيهِ، أيْ جامِعَةٌ لَهم مِن كُلِّ جانِبٍ لا مَحالَةَ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمَجازُ في اسْمِ الفاعِلِ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها حِيطَةٌ بِهِمُ الآنَ بِأنْ يُرادَ مِن جَهَنَّمَ أسْبابُها مِنَ الكُفْرِ والفِتْنَةِ الَّتِي سَقَطُوا فِيها ونَحْوَ ذَلِكَ مَجازًا. وقَدْ يُجْعَلُ الكَلامُ تَمْثِيلًا بِأنْ تُشَبَّهَ حالُهم في إحاطَةِ الأسْبابِ بِحالِهِمْ عِنْدَ إحاطَةِ النّارِ، وكَوْنُ الأعْمالِ الَّتِي هم فِيها هي النّارَ بِعَيْنِها لَكِنَّها ظَهَرَتْ بِصُورَةِ الأعْمالِ في هَذِهِ النَّشْأةِ وتَظْهَرُ بِالصُّورَةِ النّارِيَّةِ في النَّشْأةِ الأُخْرى كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ ) مَنزَعٌ صُوفِيٌّ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ إمّا المُنافِقُونَ المَبْحُوثُ عَنْهم، وإيثارُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مُعْظَمُ أسْبابِ الإحاطَةِ المَذْكُورَةِ وإمّا جَمِيعُ الكافِرِينَ ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب