الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ أوْ بِـ ”اذْكُرْ“، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَذابُ يَوْمٍ والمُقَدَّرُ بَدَلٌ مِنَ المَذْكُورِ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: تُوقَدُ النّارُ ذاتَ حِمًى وحَرٍّ شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ مِن قَوْلِكَ حَمَيْتُ المِيسَمَ وأحْمَيْتُهُ فَجَعَلَ الإحْماءَ لِلنّارِ مُبالَغَةً لِأنَّ النّارَ في نَفْسِها ذاتُ حِمًى فَإذا وُصِفَتْ بِأنَّها تُحْمى دَلَّ عَلى شِدَّةِ تَوَقُّدِها ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وحُوِّلَ الإسْنادُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ بِأتَمِّ وجْهٍ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ فَإذا طُرِحَتِ القِصَّةُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ قُلْتَ رُفِعَ إلى الأمِيرِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ ( تُحْمِي ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ بِإسْنادِهِ إلى النّارِ كَأصْلِهِ وإنَّما قِيلَ ( عَلَيْها ) والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِما مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنهُما ولا الجِنْسُ الصّادِقُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ بَلِ المُرادُ الكَثِيرُ مِنَ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ كَنْزًا فَأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ ولَوْ أتى بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ احْتَمَلَ خِلافَهُ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُنُوزِ الأمْوالِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ فَيَكُونُ الحُكْمُ عامًّا ولِذا عَدَلَ فِيهِ عَنِ الظّاهِرِ، وتَخْصِيصُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما الأصْلُ الغالِبُ في الأمْوالِ لا لِلتَّخْصِيصِ أوْ لِلْفِضَّةِ، واكْتَفى بِها لِأنَّها أكْثَرُ والنّاسُ إلَيْها أحْوَجُ ولِأنَّ الذَّهَبَ يُعْلَمُ مِنها بِالطَّرِيقِ الأوْلى مَعَ قُرْبِها لَفْظًا ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَرَضَ الكانِزِينَ مِنَ الكَنْزِ والجَمْعِ أنْ يَكُونُوا عِنْدَ النّاسِ ذَوِي وجاهَةٍ ورِياسَةٍ بِسَبَبِ الغِنى وأنْ يَتَنَعَّمُوا بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ فَلِوَجاهَتِهِمْ كانَ الكَيُّ بِجِباهِهِمْ ولِامْتِلاءِ جُنُوبِهِمْ بِالطَّعامِ كُوُوا عَلَيْها ولِما لَبِسُوهُ عَلى ظُهُورِهِمْ كُوِيَتْ، أوْ لِأنَّهم إذا رَأوُا الفَقِيرَ السّائِلَ زَوَوْا ما بَيْنَ أعْيُنِهِمْ وازْوَرُّوا عَنْهُ وأعْرَضُوا وطَوَوْا كَشْحًا ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم واسْتَقْبَلُوا جِهَةً أُخْرى، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، وقِيلَ: لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرِهِ وجَنْبَتاهُ فَيَكُونُ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، ويَبْقى عَلَيْهِ نُكْتَةُ الِاقْتِصارِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعِ مِن بَيْنِ الجِهاتِ السِّتِّ وتَكَلَّفَ لَها بَعْضُهم بِأنَّ الكانِزَ وقْتَ الكَنْزِ لِحَذَرِهِ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا وأمامًا ووَراءً ولا يَكادُ يَنْظُرُ إلى فَوْقُ أوْ يَتَخَيَّلُ أنَّ أحَدًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن تَحْتُ؛ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الأرْبَعُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ ومَظِنَّةَ حَذَرِهِ دُونَ الجِهَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ اقْتَصَرَ عَلَيْها دُونَهُما، وهو مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى اعْتِبارِ الدَّفْنِ في الكَنْزِ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ: إنَّما خُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ لِأنَّ داخِلَها جَوْفًا بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ، وفِيهِ أنَّ البَطْنَ كَذَلِكَ، وفي جَمْعِهِ مَعَ الظّاهِرِ لَطافَةٌ أيْضًا، وقِيلَ: لِأنَّ الجَبْهَةَ مَحَلُّ الوَسْمِ لِظُهُورِها والجَنْبَ مَحَلُّ الألَمِ والظَّهْرَ مَحَلُّ الحُدُودِ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْكانِزِ عَلى الكَنْزِ وعَدَمِ الإنْفاقِ خَوْفُ الفَقْرِ الَّذِي هو المَوْتُ الأحْمَرُ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ والِاضْطِرابِ يَمِينًا وشِمالًا وعَدَمِ اسْتِقْرارِ الجَنْبِ لِتَحْصِيلِ المَعاشِ مَعَ خُلُوِّ المُتَّصَفِ بِهِ عَمّا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ (p-89)ويُعَوَّلُ في المُهِمّاتِ عَلَيْهِ، فَلِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ تُكْوى جَبْهَتُهُ، ولِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الِاضْطِرابِ والطَّمَعِ في اسْتِقْرارِ الجَنْبِ يُكْوى جَنْبُهُ، ولِمُلاحَظَةِ اسْتِنادِ الظَّهْرِ والِاتِّكالِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ الرَّكْنُ الأقْوى والوِزْرُ الأوْقى يُكْوى ظَهْرُهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وهي أقْوالٌ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ أوْ دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ فَيُكْوى بِها ولا أنَّهُ يُكْوى بِكُلٍّ بِأنْ يُرْفَعَ واحِدٌ ويُوضَعَ بَدَلُهُ آخَرُ حَتّى يُؤْتِيَ عَلى آخِرِها بَلْ أنَّهُ يُوَسِّعُ جِلْدَ الكانِزِ فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآثارُ وتَظافَرَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ السّابِقُ في قَوْلٍ أيْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها: هَذا ما كَنَزْتُمْ ( ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ ) أيْ لِمَنفَعَتِها فَكانَ عَيْنَ مُضِرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وأنْتُ في تَقْدِيرِ المُضافِ في النُّظُمِ بِالخِيارِ، ولَمْ تُجْعَلِ اللّامُ لِلْمِلْكِ لِعَدَمِ جَدْواهُ ( وما ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ وبالُ كَنْزِكم أوْ وبالُ كَوْنِكم كانِزِينَ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ في كَوْنِ كانَ النّاقِصَةِ لَها مَصْدَرٌ كَلامًا وبِأنَّ المَقْصُودَ الخَبَرُ، وكانَ إنَّما ذُكِرَتْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ وبالُ الَّذِي تَكْنِزُونَهُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ، وقُرِئَ ( تَكْنُزُونَ ) بِضَمِّ النُّونِ فالماضِي كَنَزَ كَضَرَبَ وقَعَدَ.
{"ayah":"یَوۡمَ یُحۡمَىٰ عَلَیۡهَا فِی نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَـٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











