الباحث القرآني
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَراتِبِ فَضْلِهِمْ زِيادَةً في الرَّدِّ وتَكْمِيلًا لَهُ، وزِيادَةُ الهِجْرَةِ وتَفْصِيلُ نَوْعَيِ الجِهادِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الجِهادِ لا أنَّهُ اعْتُبِرَ بِطَرِيقِ التَّدارُكِ أمْرٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيما سَلَفَ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أشَرْنا إلى مالِهِ وما عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ، وأنا أقُولُ: إذا أُرِيدَ مِن أفْعَلَ المُبالَغَةُ في الفَضْلِ وعُلُوُّ المَرْتَبَةِ والمَنزِلَةِ فالأمْرُ هَيِّنٌ، وإذا أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَهُناكَ احْتِمالانِ؛ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إيذانًا بِالعُمُومِ، أيْ إنَّ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفُ بِها كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، ويَكْفِي في تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ أفْعَلَ (p-69)وُجُودُ أصْلِ الفِعْلِ في بَعْضِ الأفْرادِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ العُمُومِ كَما يُقالُ: فُلانٌ أعْلَمُ الخَلْقِ مَعَ أنَّ مِنهم مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ بَلْ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ أصْلًا، وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ سِوى أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْنا أنَّ المَقْصُودَ بِالمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في المِثالِ مَن لَهُ مُشارَكَةٌ في أصْلِ الفِعْلِ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَضُرَّ هَذا فالأمْرُ ذاكَ وإلّا فَهو كَما تَرى، الثّانِي: أنْ يُقالَ: ما أفْهَمَتْهُ الصِّيغَةُ مِن أنَّ لِلسُّقاةِ والعُمّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ دَرَجَةً جاءَ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ وحَسَّنَ ذَلِكَ وُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم قالُوا كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ السّابِقَةِ: السِّقايَةُ والعِمارَةُ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ، ولا شَكَّ أنَّ ما يُشْعَرُ بِهِ خَيْرٌ مِن أنَّ في الإيمانِ والجِهادِ خَيْرًا إنَّما جاءَ عَلى زَعْمِ المُؤْمِنِينَ فَما في الآيَةِ خارِجٌ مَخْرَجَ المُشاكَلَةِ مَعَ ما في كَلامِهِمْ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، وما قِيلَ: مِن أنَّ جَعْلَ مَعْنى التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ الكَفَرَةِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ذاقَ طَعْمَ البَلاغَةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ التَّفْضِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإغْماضِ العَيْنِ أيِ المُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ أعْلى رُتْبَةً مِمَّنْ خَلا مِنها وإنْ حازَ جَمِيعَ ما عَداها مِمّا هو كَمالٌ في حَدِّ ذاتِهِ كالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الإخْلاصُ أوْ نَحْوُهُ لا الجِهادُ فالمَعْنى جاهِدُوا مُخْلِصِينَ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ العَظِيمِ أوْ بِالفَوْزِ المُطْلَقِ كَأنَّ فَوْزَ مَن عَداهم لَيْسَ بِفَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ.
والكَلامُ عَلى الثّانِي تَوْبِيخٌ لِمَن يُؤْثِرُ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما مِنَ المُؤْمِنِينَ في الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما كالإيمانِ والجِهادِ، قالُوا: وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ في جانِبِ المُشَبَّهِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ وإشْعارًا بِأنَّ مَدارَ إنْكارِ التَّشْبِيهِ هو السِّقايَةُ والعِمارَةُ دُونَ الإيمانِ، وإنَّما لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا تَقْوِيَةً لِلْإنْكارِ وتَذْكِيرًا لِأسْبابِ الرُّجْحانِ ومَبادِئِ الأفْضَلِيَّةِ، وإيذانًا بِكَمالِ التَّلازُمِ بَيْنَ الإيمانِ وما تَلاهُ.
ومَعْنى عَدَمِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمِيَّةُ دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي عَلى هَذا التَّقْرِيرِ ظاهِرٌ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ الظُّلْمُ بِوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ في مَوْضِعِ الآخَرِ لا الظُّلْمُ الأعَمُّ، وبِعَدَمِ الهِدايَةِ عَدَمُ هِدايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْثِرِينَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لا عَدَمُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا، والقَصْرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ) بِالنِّسْبَةِ إلى دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي أوْ إلى الفَوْزِ المُطْلَقِ ادِّعاءٌ كَما مَرَّ ا هـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما تَنازَعُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ السّابِقُ إلّا فِيما هو الأفْضَلُ بَعْدَهُ فَمِن قائِلٍ: السِّقايَةُ، ومِن قائِلٍ: العِمارَةُ ومِن قائِلٍ: الجِهادُ، نَعَمْ يَحْتاجُ ذِكْرُهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى نُكْتَةٍ، والتَّوْبِيخُ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أبْلَغُ مِنهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَأمَّلْ.
{"ayah":"ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَاۤىِٕزُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











