الباحث القرآني

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ إذْ عَمَّرَ المُشَدَّدُ يُقالُ في عُمْرِ الإنْسانِ لا في العِمارَةِ كَما يَتَوَهَّمُهُ العَوامُّ، وصَحَّتِ الياءُ في سِقايَةٍ لِأنَّ بَعْدَها هاءُ التَّأْنِيثِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَشْبِيهُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ والصِّفَةِ بِالذّاتِ وأنَّهُ (p-67)لا يَحْسُنُ هُنا فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، إمّا في جانِبِ الصِّفَةِ أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ كَمَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ وهو مِنَ القُرّاءِ وإنِ اشْتُهِرَ بِالشِّعْرِ ( أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ ) بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ ساقٍ ( وعَمَرَةَ المَسْجِدِ ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عامِرٍ، وكَذا قِراءَةُ الضَّحّاكِ ( سُقايَةَ ) بِالضَّمِّ أيْضًا مَعَ الياءِ والتّاءِ ( وعَمَرَةَ ) كَما في القِراءَةِ السّابِقَةِ، ووَجْهُ سُقايَةٍ فِيها أنْ يَكُونَ جَمْعًا جاءَ عَلى فُعالٍ ثُمَّ أُنِّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ نَحْوَ حِجارَةٍ، فَإنَّ في كِلا القِراءَتَيْنِ تَشْبِيهَ ذاتٍ بِذاتٍ، وإمّا في جانِبِ الذّاتِ أيْ أجَعَلْتُمُوهُما كَإيمانِ مَن آمَنَ وجِهادِ مَن جاهَدَ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في شَيْءٍ وإنَّما المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ إمّا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ واخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ وهو المُتَبادَرُ مِنَ النَّظْمِ، وتَخْصِيصُ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَيْرَ الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عُمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلى العَبّاسِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، فَقالَ العَبّاسُ: أما واللَّهِ لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَفُكُّ العانِيَ ونَحْجُبُ البَيْتَ ونَسَقِي الحاجَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿أجَعَلْتُمْ﴾ ) الآيَةَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الخِطابَ لَهم وهم مُشْرِكُونَ. وإمّا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ تَعالى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُمُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وبِما رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والعَبّاسِ، وذَلِكَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لَهُ: يا عُمَرُ لَوْ هاجَرْتَ إلى المَدِينَةِ؟ فَقالَ لَهُ: أوَلَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ وألَسْتُ أسْقِي الحاجَّ وأعْمُرُ البَيْتَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ العَبّاسَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ إذْ ذاكَ مُسْلِمًا عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمِ بَعْضُها، وأيَّدَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاكْتِفاءِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ مُساواتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقِ الثّانِي وبَيانِ أعْظَمِيَّةِ دَرَجَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرِ دُخُولِهِ في الرَّدِّ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِ الأوَّلِينَ بِالكُلِّيَّةِ لِمَكانِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وجُعِلَ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ اسْتِطْرادًا لِتَفْضِيلِ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ خِلافَ الظّاهِرِ، وكَذا القَوْلُ بِأنَّهُ سِيقَ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ الكَفَرَةِ وهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جاءَ عَلى زَعْمِهِمْ ومَدْعاهم، عَلى أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُشْعِرْ بِعَدَمِ الحِرْمانِ فَلَيْسَ بِمُشْعِرٍ بِالحِرْمانِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومَدارُهُ إنْكارُ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِوَصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِالمُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ والجِهادِ، أوْ عَلى (p-68)إنْكارِ تَشْبِيهِ وصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما مَعَ الإغْماضِ عَنْ مُقارَنَتِهِما لِلشِّرْكِ بِالإيمانِ والجِهادِ. والقَوْلُ بِاعْتِبارِ المُقارَنَةِ مِمّا أغْمَضَ عَنْهُ المُحَقِّقُونَ لِإباءِ المَقامِ إيّاهُ، كَيْفَ لا وقَدْ بُيِّنَ حُبُوطُ أعْمالِهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وكَوْنُها بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَتَوْبِيخُهم بَعْدُ عَلى تَشْبِيهِها بِالإيمانِ والجِهادِ، ثُمَّ رُدَّ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِهِمْ عَنْ أصْلِ الفَضِيلَةِ بِالكُلِّيَّةِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ولَوِ اعْتُبِرَ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرِ إنْكارِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ إذْ لا شَيْءَ أظْهَرُ بُطْلانًا مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِها، ويُقْطَعُ النَّظَرُ عَمّا تَقَدَّمَ مِن بَيانِ الحُبُوطِ، وعَدَمُ الحِرْمانِ المَشْعُورِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، والمَعْنى أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في الفَضِيلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما في ذَلِكَ كالإيمانِ والجِهادِ وشَتّانَ ما بَيْنَهُما، فَإنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ وإنْ كانَتا في أنْفُسِهِما مِن أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ لَكِنَّهُما وإنْ خَلَتا عَنِ القَوادِحِ بِمَعْزِلِ أنْ يُشَبَّهَ أهْلُهُما بِأهْلِ الإيمانِ والجِهادِ أوْ يُشَبَّهُ نَفْسُهُما بِنَفْسِ الإيمانِ والجِهادِ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا يُساوِي الفَرِيقُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِظاهِرِهِ يَتَرَجَّحُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ، وإذا كانَ المُرادُ لا يَسْتَوُونَ بِأوْصافِهِمْ يَرْجِعُ إلى نَفْيِ المُساواةِ في الأوْصافِ فَيُوافِقُ الإنْكارَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وإسْنادُ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إلى المَوْصُوفَيْنِ لِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ تَفاوُتِهِمْ، وتَوْجِيهُ النَّفْيِ هَهُنا والإنْكارُ فِيما سَلَفَ إلى الِاسْتِواءِ والتَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ دَعْوى المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ إنَّما هي الأفْضَلِيَّةُ دُونَ التَّساوِي والتَّشابُهِ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَإنَّ نَفْيَ التَّساوِي والتَّشابُهِ نَفْيٌ لِلْأفْضَلِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الأفْضَلِيَّةَ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ تُشْعِرُ بِثُبُوتِ أصْلِ الفَضِيلَةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ، وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهم أنَّ في جِهادِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَضِيلَةً أوْ أنَّ في الإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ فَضِيلَةً، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ المُجاراةِ فَلا تَغْفُلْ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ المَذْكُورِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولَيِ الجَعْلَ والرّابِطُ ضَمِيرُ الجَمْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: سَوَّيْتُمْ بَيْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَفاوِتِينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ وبِالظُّلْمِ الشِّرْكُ أوْ وُضِعَ الشَّيْءُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ شِرْكًا كانَ أوْ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُلْمُهم في ذَلِكَ الجَعْلِ وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ لا مُطْلَقُ الدَّلالَةِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ، وهَذا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُوَفِّقُ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ وتَمْيِيزِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ ولَعَلَّهُ سِيقَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ عَدَمِ التَّساوِي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب