الباحث القرآني
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لَهم ولا يَلِيقُ وإنْ وقَعَ ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ ويَدْخُلُ فِيهِ المَسْجِدُ الحَرامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَعْمِيرُهُ مَناطُ افْتِخارِهِمْ، ونَفْيُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنِ الفَرْدِ المُعَيَّنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها المُتَوَجِّهَةُ إلَيْهِ مَحارِيبُها فَعامِرُهُ كَعامِرِها، أوْ لِأنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ ناحِيَةٌ مِن نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ مَسْجِدٌ عَلى حِيالِهِ بِخِلافِ سائِرِ المَساجِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ، وابْنِ كَثِيرٍ، وكَثِيرٍ ( مَسْجِدَ ) بِالتَّوْحِيدِ، وحَمَلَ بَعْضُهم ( ما كانَ ) عَلى نَفْيِ الوُجُودِ والتَّحَقُّقِ، وقُدِّرَ بِأنْ يَعْمُرُوا بِحَقٍّ لِأنَّهم عَمَرُوها بِدُونِهِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْنا ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِإظْهارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ كُفّارٌ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ كَفَرْنا بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( ﴿يَعْمُرُوا﴾ ) قِيلَ: أيْ ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ البَيْتِ والكُفْرِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ما سَمَّوْهُ عِمارَةَ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُنافِيها ويُحْبِطُها مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ العِمارَةِ في شَيْءٍ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ المَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُعْرِبٍ عَنْ كُنْهِ المَرامِ، فَإنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ الجَمِيعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ إنَّما يَسْتَدْعِي انْتِفاءَ أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ لا انْتِفاءَ العِمارَةِ الَّذِي هو المَقْصُودُ، وظاهِرُهُ أنَّ النَّفْيَ في الكَلامِ راجِعٌ إلى المُقَيِّدِ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ( ما كانَ ) نَفْيَ اللِّياقَةِ عَلى ما ذَكَرْنا، والغَرَضُ إبْطالُ افْتِخارِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِ بِما يُنافِيهِ وهو الشِّرْكُ، وجُوِّزَ أنْ يُوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ كَما هو الشّائِعُ وتُكَلِّفُ لَهُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، ولَعَلَّ مَن قالَ في بَيانِ المَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا إلَخْ جُعِلَ مَحَطُّ النَّظَرِ المُقارَنَةَ الَّتِي أشْعَرَ بِها الحالَ، ومَعَ هَذا لا يَأْبى أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ نَظَرًا لِلْمَقامِ نَفْيَ صِحَّةِ الِافْتِخارِ بِالعِمارَةِ والسِّقايَةِ فَتَدَبَّرْ جِدًّا.
(p-65)ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ لِنَفْيِ الِافْتِخارِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحْمَنِ وأغْلَظَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في القَوْلِ، فَقالَ: تَذْكُرُونَ مَساوِينا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَقْرِي الحَجِيجَ ونَفُكُّ العانِيَ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ ( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الكُفْرِ فَصارَتْ كَلا شَيْءٍ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبُوهُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومُراعاةً لِلْفاصِلَةِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿حَبِطَتْ﴾ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِأُولَئِكَ، وقِيلَ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ كَجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ وفائِدَتُهُما تَقْرِيرُ النَّفْيِ السّابِقِ الأُولى مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِتْباعِ الثَّوابِ والثّانِيَةُ مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِدْفاعِ العَذابِ.
{"ayah":"مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِینَ أَن یَعۡمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِینَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ وَفِی ٱلنَّارِ هُمۡ خَـٰلِدُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











