الباحث القرآني

سُورَةُ التَّوْبَةِ 9 مَدَنِيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وقَتادَةَ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وحَكى بَعْضُهُمُ الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: هي كَذَلِكَ إلّا آيَتَيْنِ مِنها ( ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ ) إلَخْ، وهو مُشْكِلٌ بِناءً عَلى ما في المُسْتَدْرَكِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ المَكِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ ( ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ ) إلَخْ ولا يَتَأتّى هُنا ما قالُوهُ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ في آخِرِ ما نَزَلَ، واسْتَثْنى آخَرُونَ ( ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ ) الآيَةَ بِناءً عَلى ما ورَدَ أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأبِي طالِبٍ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ،» وقَدْ نَزَلَتْ كَما قالَ ابْنُ كَيْسانَ عَلى تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ ولَها عِدَّةُ أسْماءَ؛ التَّوْبَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ( ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ ) إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ )، والفاضِحَةُ أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُورَةُ التَّوْبَةِ قالَ: التَّوْبَةُ بَلْ هي الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ ومِنهم ومِنهم حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِنّا إلّا ذُكِرَ فِيها، وسُورَةُ العَذابِ أخْرَجَ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: الَّتِي يُسَمُّونَ سُورَةَ التَّوْبَةِ هي سُورَةُ العَذابِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا ذُكِرَ لَهُ سُورَةُ بَراءَةَ وقِيلَ سُورَةُ التَّوْبَةِ قالَ: هي إلى العَذابِ أقْرَبُ ما أقْلَعَتْ عَنِ النّاسِ حَتّى ما كادَتْ تَدَعُ مِنهم أحَدًا والمُقَشْقِشَةُ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ التَّوْبَةِ فَقالَ بَراءَةَ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هِيَ، ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةُ أيِ المُبَرِّئَةُ ولَعَلَّهُ أرادَ عَنِ النِّفاقِ، والمُنَقِّرَةُ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ بَراءَةُ تُسَمّى المُنَقِّرَةَ نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، والبَحُوثُ بِفَتْحِ الباءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ البَحْثِ، بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ كَما رَوى ذَلِكَ الحاكِمُ عَنِ المِقْدادِ، والمُبَعْثَرَةُ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَتْ بَراءَةُ تُسَمّى في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعْدَهُ المُبَعْثِرَةَ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ وظُنَّ أنَّهُ تَصْحِيفُ المُنَقِّرَةِ مِن بَعْدِ الظَّنِّ. وذَكَرَ ابْنُ الفَرَسِ أنَّها تُسَمّى الحافِرَةَ أيْضًا لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والمُثِيرَةُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ لِأنَّها أثارَتِ المَخازِيَّ والقَبائِحَ، والمُدَمْدِمَةُ كَما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، والمُخْزِيَةُ والمُنَكِّلَةُ والمُشَرِّدَةُ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ وغَيْرُهُ، وسُورَةُ بَراءَةَ. فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيَّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ بَراءَةَ وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ وهي مِائَةٌ وتِسْعٌ وعِشْرُونَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ومِائَةٌ وثَلاثُونَ عِنْدَ الباقِينَ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلْأنْفالِ أنَّ في الأُولى قِسْمَةَ الغَنائِمِ وجَعَلَ خُمْسَها لِخَمْسَةِ أصْنافٍ عَلى ما عَلِمْتُ، وفي هَذِهِ قِيمَةُ (p-41)الصَّدَقاتِ وجَعَلَها لِثَمانِيَةِ أصْنافٍ عَلى ما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفي الأُولى أيْضًا ذَكَرَ العُهُودَ وهُنا نَبَذَها وأنَّهُ تَعالى أمَرَ في الأُولى بِالإعْدادِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ ) ونَعى هُنا عَلى المُنافِقِينَ عَدَمَ الإعْدادِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ ) وأنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ الأُولى بِإيجابِ أنْ يُوالِيَ المُؤْمِنِينَ بَعْضُهم بَعْضًا وأنْ يَكُونُوا مُنْقَطِعِينَ عَنِ الكَفّارِ بِالكُلِّيَّةِ، وصَرَّحَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ( ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ) إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ المُناسِبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّها مَعَ الأنْفالِ سُورَةٌ واحِدَةٌ ولِهَذا لَمْ تُكْتَبْ بَيْنَهُما البَسْمَلَةُ وقِيلَ: في وجْهِ عَدَمِ كِتابَتِها أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في كَوْنِها سُورَةً أوْ بَعْضَ سُورَةٍ، فَفَصَلُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأنْفالِ رِعايَةً لِمَن يَقُولُ هُما سُورَتانِ ولَمْ يَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ رِعايَةً لِمَن يَقُولُ هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، والحَقُّ أنَّهُما سُورَتانِ إلّا أنَّهم لَمْ يَكْتُبُوا البَسْمَلَةَ بَيْنَهُما لِما رَواهُ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن أنَّ البَسْمَلَةَ أمانٌ، وبَراءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ ومِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ومَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّها لَمْ تَنْزِلْ في هَذِهِ السُّورَةِ كَأخَواتِها لِما ذُكِرَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالِاسْتِقْلالِ تَسْمِيَتُها بِما مَرَّ. واخْتارَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ التَّرْكَ لِذَلِكَ قالَ في البابِ الحادِي والثَّلاثِمِائَةٍ بَعْدَ كَلامِ: وأمّا سُورَةُ التَّوْبَةِ فاخْتَلَفَ النّاسُ فِيها هَلْ هي سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَسائِرِ السُّوَرِ أوْ هَلْ هي وسُورَةُ الأنْفالِ سُورَةٌ واحِدَةٌ فَإنَّهُ لا يُعْرَفُ كَمالُ السُّورَةِ إلّا بِالفَصْلِ بِالبَسْمَلَةِ ولِمَ تَجِئْ هُنا فَدَلَّ عَلى أنَّها مِن سُورَةِ الأنْفالِ وهو الأوْجَهُ وإنْ كانَ لِتَرْكِها وجْهٌ وهو عَدَمُ المُناسِبَةِ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والتَّبَرِّي، ولَكِنْ ما لَهُ تِلْكَ القُوَّةُ بَلْ هو وجْهٌ ضَعِيفٌ. وسَبَبُ ضَعْفِهِ أنَّهُ في الِاسْمِ اللَّهُ مِنَ البَسْمَلَةِ ما يَطْلُبُهُ والبَراءَةُ إنَّما هي مِنَ الشَّرِيكِ لا مِنَ المُشْرِكِ، فَإنَّ الخالِقَ كَيْفَ يَتَبَرَّأُ مِنَ المَخْلُوقِ ولَوْ تَبَرَّأ مِنهُ مَن كانَ يَحْفَظُ وُجُودَهُ عَلَيْهِ والشَّرِيكُ مَعْدُومٌ فَتَصِحُّ البَراءَةُ مِنهُ فَهي صِفَةُ تَنْزِيهٍ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّرِيكِ والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنِ اعْتِقادِ الجَهْلِ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن ضِعْفِ هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَّرْناهُ وهو أنَّ البَسْمَلَةَ مَوْجُودَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ ( ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ) و( ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ) وأيْنَ الرَّحْمَةُ مِنَ الوَيْلِ انْتَهى، وقَدْ يُقالُ: كَوْنُ البَراءَةِ مِنَ الشَّرِيكِ غَيْرَ ظاهِرٍ مِن آيَتِها أصْلًا، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُرادَ مِنها وما ذَكَرَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الوَجْهِ الآخَرِ مِنَ الضَّعْفِ قَدْ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لا تُشْبِهُها سُورَةٌ، فَإنَّها ما تَرَكَتْ أحَدًا كَما قالَ حُذَيْفَةُ إلّا نالَتْ مِنهُ وهَضَمَتْهُ وبالَغَتْ في شَأْنِهِ، أمّا المُنافِقُونَ والكافِرُونَ فَظاهِرٌ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ ) إلى ( ﴿الفاسِقِينَ﴾ ) وهو مِن أشُدِّ ما يُخاطَبُ بِهِ المُخالِفُ فَكَيْفَ بِالمُوافِقِ ولَيْسَ في سُورَةِ ( ويْلٌ ) ولا في سُورَةِ ( تَبَّتْ ) ولا ولا، ولَوْ سَلِمَ اشْتِمالُ سُورَةٍ عَلى نَوْعٍ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ لَكِنَّ الِامْتِيازَ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ مِمّا لا سَبِيلَ لِإنْكارِهِ، ولِذَلِكَ تُرِكَتْ فِيها البَسْمَلَةُ عَلى ما أقُولُ والِاسْمُ الجَلِيلُ وإنْ تَضَمَّنَ القَهْرَ الَّذِي يُناسِبُ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ اقْتِرانِهِ صَرِيحًا بِما لَمْ يَتَضَمَّنا سِوى الرَّحْمَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إلّا إظْهارَ صِفَةِ القَهْرِ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ مَعَ الِافْتِتاحِ بِالبَسْمَلَةِ ولَوْ سَلِمَ خُلُوصُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لَهُ، نَعَمْ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَتْرُكْ عادَتَهُ في افْتِتاحِ السُّوَرِ هُنا بِالكُلِّيَّةِ حَيْثُ افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالباءِ كَما افْتَتَحَ غَيْرَها بِها في ضِمْنِ البَسْمَلَةِ، وإنْ كانَتْ باءُ البَسْمَلَةِ كَلِمَةً وباءُ هَذِهِ السُّورَةِ جُزْءَ كَلِمَةٍ وذَلِكَ لِسِرٍّ دَقِيقٍ يَعْرِفُهُ أهْلُهُ هَذا، ونُقِلَ عَنِ السَّخاوِيِّ أنَّهُ قالَ في جَمالِ القُرّاءِ: اشْتَهَرَ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ (p-42)فِي أوَّلِ بَراءَةَ، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ التَّسْمِيَةُ أوَّلَها وهو القِياسُ لِأنَّ إسْقاطَها إمّا لِأنَّها نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ أوْ لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا بِأنَّها سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَلْ مِنَ الأنْفالِ، ولا يَتِمُّ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ، ونَحْنُ إنَّما نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ بِالِاتِّفاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ) الآيَةَ ونَحْوُها، وإنْ كانَ التَّرْكُ لِأنَّها لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً، فالتَّسْمِيَةُ في أوَّلِ الأجْزاءِ جائِزَةٌ ورُوِيَ ثُبُوتُها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وذَهَبَ ابْنُ مِنادِرَ إلى قِراءَتِها، وفي الإقْناعِ جَوازُها والحَقُّ اسْتِحْبابُ تَرْكِها حَيْثُ إنَّها لَمْ تُكْتَبْ في الإمامِ، ولا يُقْتَدى بِغَيْرِهِ، وأمّا القَوْلُ بِحُرْمَتِها ووُجُوبِ تَرْكِها كَما قالَهُ بَعْضُ المَشايِخِ الشّافِعِيَّةِ فالظّاهِرُ خِلافُهُ ولا أرى في الإتْيانِ بِها بَأْسًا لِمَن شَرَعَ في القِراءَةِ مِن أثْناءِ السُّورَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ كَما يُؤْذَنُ بِهِ مُقابَلَتُها بِإلى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْخَبَرِ لِفَسادِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، أيْ واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدَّرُوهُ بِذَلِكَ دُونَ حاصِلِهِ لِتَقْلِيلِ التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ( إلى ) الآتِي أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً لِتَخْصِيصِها بِصِفَتِها وخَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو ( بَراءَةً ) بِالنَّصْبِ وهي مَنصُوبَةٌ بِاسْمَعُوا أوِ الزَمُوا عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ أهْلُ نَجْرانَ ( مِنَ اللَّهِ ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أنَّ الأصْلَ في تَحْرِيكِ السّاكِنِ الكَسْرُ، لَكِنَّ الوَجْهَ الفَتْحُ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ هَرَبًا مِن تَوالِي الكَسْرَتَيْنِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما تَعَلَّقَ بِهِ البَراءَةُ حَسْبَما ذَكَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْهُ إنْباءً ظاهِرًا واحْتِرازًا عَنْ تَكْرارِ لَفْظٍ مِن، والعَهْدُ العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ، والخِطابُ في ( عاهَدْتُمْ ) لِلْمُسْلِمِينَ وقَدْ كانُوا عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ ﷺ، فَنَكَثُوا إلّا بَنِي ضَمْرَةَ وبَنِي كِنانَةَ، وأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأُمْهِلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا حَيْثُ شاءُوا. وإنَّما نُسِبَتِ البَراءَةُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ شُمُولِها لِلْمُسْلِمِينَ في اشْتِراكِهِمْ في حُكْمِها ووُجُوبِ العَمَلِ بِمُوجِبِها، وعُلِّقَتِ المُعاهَدَةُ بِالمُسْلِمِينَ خاصَّةً مَعَ كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإنْباءِ عَنْ تَنَجُّزِها وتَحَتُّمِها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى رَأْيِ المُخاطَبِينَ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنْ إنْهاءِ حُكْمِ الأمانِ ورَفْعِ الخَطَرِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَهْدِ السّابِقِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْكَفَرَةِ وذَلِكَ مَنُوطٌ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، واشْتِراكُ المُسْلِمِينَ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ الِامْتِثالِ لا غَيْرَ، وأمّا المُعاهَدَةُ فَحَيْثُ كانَتْ عَقْدًا كَسائِرِ العُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ لا تَتَحَصَّلُ ولا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها الأحْكامُ إلّا بِمُباشَرَةِ المُتَعاقِدَيْنِ عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنهُ تَعالى، وإنَّما الصّادِرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ الإذْنُ في ذَلِكَ وإنَّما المُباشِرُ لَهُ المُسْلِمُونَ، ولا يَخْفى أنَّ البَراءَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالعَهْدِ لا بِالإذْنِ فِيهِ، فَنُسِبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى مَن هو أصْلٌ فِيها، عَلى أنَّ في ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ البَراءَةِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِها وتَسْجِيلًا عَلى الكَفَرَةِ بِغايَةِ الذُّلِّ والهَوانِ ونِهايَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ، وتَنْزِيهًا لِساحَةِ الكِبْرِياءِ عَمّا يُوهِمُ شائِبَةَ النَّقْصِ والبَداءِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وإدْراجُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في النِّسْبَةِ الأُولى وإخْراجُهُ عَنِ الثّانِيَةِ لِتَنْوِيهِ شَأْنِهِ الرَّفِيعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كِلا المَقامَيْنِ، كَذا حَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو تَوْجِيهٌ وجِيهٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُعاهَدَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ واجِبَةً بَلْ مُباحَةً مَأْذُونَةً نُسِبَتْ إلَيْهِ بِخِلافِ البَراءَةِ فَإنَّها واجِبَةٌ بِإيجابِهِ تَعالى فَلِذا نُسِبَتْ لِلشّارِعِ وهو كَما تَرى. وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ نِسْبَةَ العَهْدِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ في مَقامٍ نُسِبَ فِيهِ النَّبْذُ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يُحْسِنُ أدَبًا. (p-43)ألا تَرى إلى وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمَراءِ السَّرايا حَيْثُ يَقُولُ لَهم: «إذا نَزَلْتُمْ بِحِصْنٍ فَطَلَبُوا النُّزُولَ عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَأنْزِلُوهم عَلى حُكْمِكم فَإنَّكم لا تَدْرُونَ أصادَفْتُمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ أمْ لا، وإنْ طَلَبُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعالى فَأنْزِلُوهم عَلى ذِمَّتِكم فَلَأنْ تُخْفَرَ ذِمَّتُكم خَيْرٌ مِن أنْ تُخْفَرَ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعالى» فانْظُرْ إلى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَوْقِيرِ ذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى مَخافَةَ أنْ تُخْفَرَ، وإنْ كانَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ ذَلِكَ الأمْرُ المُتَوَقَّعُ، فَتَوْقِيرُ عَهْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَحَقَّقَ مِنَ المُشْرِكِينَ النَّكْثُ وقَدْ تَبَرَّأ مِنهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ لا يُنْسَبَ العَهْدُ المَنبُوذُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أحْرى وأجْدَرُ فَلِذَلِكَ نُسِبَ العَهْدُ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ البَراءَةِ مِنهُ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّهُ غَيْرُ وافٍ وفاءَ ما قَدْ سَبَقَ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ) تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَوْلا قَصْدُ التَّمْهِيدِ لَأُعِيدَتْ ( مِن ) كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ ) وإنَّما نُسِبَتِ البَراءَةُ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُعاهَدَةُ إلَيْهِمْ لِشَرِكَتِهِمْ في الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ مَن بَرَأ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ تَبَرَّأ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، وما ذُكِرَ مِن إعادَةِ الجارِّ لَيْسَ بِلازِمٍ، وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّمْهِيدِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِضَعْفِ التَّهْوِيلِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهُ إنَّما أضافَ العَهْدَ إلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنْ لا عَهْدَ لَهم وأعْلَمَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِذا لَمْ يُضِفِ العَهْدَ إلَيْهِ لِبَراءَتِهِ مِنهم ومِن عَهْدِهِمْ في الأزَلِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً خَبَرِيَّةً وإنْ قِيلَ: إنَّها إنْشائِيَّةٌ لِلْبَراءَةِ مِنهم ولِذا دَلَّتْ عَلى التَّجَدُّدِ. وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ الأزَلِ لا يَتَأتّى في حَقِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا وبِالتَّأْوِيلِ لا يَبْعُدُ اعْتِبارُ المُسْلِمِينَ أيْضًا، ونُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وهي الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ لا تَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ الحَدِيثِ فَقَدْ ذَكَرَها مَعَ ضَمِّ نُكْتَةِ التَّوَسُّلِ إلى التَّهْوِيلِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ مَن لَمْ يَذْكُرْهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب