الباحث القرآني

﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ عادٍ ومَن بَعْدَهُ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: طَغى كُلُّ طاغِيَةٍ مِنهم في البِلادِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ سُبْحانَهُ إنْزالًا شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ. ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: سَوْطًا مِن عَذابٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى (p-125)مِن، والعَذابُ بِمَعْنى المُعَذَّبِ بِهِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ. والسَّوْطُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن ساطَ يَسُوطُ إذا خَلَطَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا تَزايَلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما وشاعَ في الجِلْدِ المَضْفُورِ والَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وسُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّهُ يُخْلَطُ اللَّحْمُ بِالدَّمِ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واسْتِمْرارِهِ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالحُبُوبِ والرَّمْلِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ، ونِسْبَتُهُ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ عَلى ما سَمِعْتَ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في سُرْعَةِ نُزُولِهِ بِالشَّيْءِ المَصْبُوبِ، وتَسْمِيَةُ ما أُنْزِلَ سَوْطًا قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلى عِظَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، في الكَشْفِ أنَّ إضافَةَ السَّوْطِ إلى العَذابِ تَقْلِيلٌ لِما أصابَهم مِنهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالصَّبِّ المُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ التَّعْذِيبُ، والإضافَةُ حِينَئِذٍ عَلى مَعْنى اللّامِ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالصَّبِّ والتَّسْمِيَةُ بِالسَّوْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ. والآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا كالسَّوْطِ عَلى مَعْنى أنْواعًا مِنَ العَذابِ مَخْلُوطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ اخْتِلاطَ طاقاتِ السَّوْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنْ يَكُونَ السَّوْطُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والإضافَةُ كالإضافَةِ فِي: جَرْدُ قَطِيفَةٍ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا مُسَوَّطًا؛ أيْ: مَخْلُوطًا، ومَآلُهُ: فَصَبَّ أنْواعًا مِنَ العَذابِ خُلِطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وفي الصِّحاحِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: نَصِيبَ عَذابٍ، ويُقالُ: شِدَّتَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وأرادَ أنَّ الغَرَضَ التَّصْوِيرُ والألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ما تَقَدَّمَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب