الباحث القرآني
﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِضَرِيعِ والمَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن شَيْءٍ لَيْسَ مِن مَطاعِمِ الإنْسِ وإنَّما هو شَوْكٌ، والشَّوْكُ مِمّا تَرْعاهُ الإبِلُ وتَتَوَلَّعُ بِهِ وهَذا نَوْعٌ مِنهُ تَنْفِرُ عَنْهُ ولا تَقْرَبُهُ ومَنفَعَتا الغِذاءِ مَنفِيَّتانِ عَنْهُ؛ وهُما إماطَةُ الجُوعِ وإفادَةُ القُوَّةِ والسِّمَنِ في البَدَنِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّهُ مِن شَيْءٍ مَكْرُوهٍ يُضْرَعُ عِنْدَهُ ويُتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى ويُطْلُبُ مِنهُ سُبْحانَهُ الخَلاصُ عَنْهُ ولَيْسَ فِيهِ مَنفَعَتا الغِذاءِ أصْلًا، وإمّا في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةٌ (p-114)لِ «طَعامٌ» المُقَدَّرِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا طَعامٌ مِن ضَرِيعٍ. والمَعْنى قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ؛ إذْ لا يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى أنَّ طَعامَهم مُنْحَصِرٌ في الضَّرِيعِ بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن طَعامِهِمْ مُنْحَصِرٌ فِيهِ ويُفْسِدُ المَعْنى. وأمّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ والأوَّلُ أظْهَرُ. ويُرْوى أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لَمّا سَمِعُوا صَدْرَ الآيَةِ: إنَّ الضَّرِيعَ لَتَسْمَنُ عَلَيْهِ إبِلُنا. فَنَزَلَتْ: ﴿لا يُسْمِنُ﴾ إلَخْ.
قِيلَ: فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُكَذِّبُوا أوْ يَتَعَنَّتُوا بِذَلِكَ وهو الظّاهِرُ فَيُرَدُّ قَوْلُهم بِنَفْيِ السِّمَنِ والشِّبَعِ وإمّا أنْ يُصَدِّقُوا فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ ضَرِيعِكم إنَّما هو غَيْرُ مُسَمِّنٍ ولا مُغْنٍ مِن جُوعٍ. وعَلى الأوَّلِ هو صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ رَدًّا لِما زَعَمُوهُ لا كاشِفَةٌ؛ إذْ لا خَفاءَ، وعَلى الثّانِي هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُ الجُوعِ لِلتَّحْقِيرِ؛ أيْ: لا يُغْنِي مِن جُوعٍ ما، وتَأْخِيرُ نَفْيِ الإغْناءِ عَنْهُ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ والتَّوَسُّلِ بِهِ إلى التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ كِلا الأمْرَيْنِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَما احْتِيجَ إلى ذِكْرِ نَفْيِ الإسْمانِ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ نَفْيِ الإغْناءِ عَنِ الجُوعِ إيّاهُ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وفي الإرْشادِ: إنَّ نَفْيَ الأمْرَيْنِ عَنْهُ لَيْسَ عَلى أنَّ لَهُمُ اسْتِعْدادًا لِلشِّبَعِ والسِّمَنِ إلّا أنَّهُ لا يُفِيدُ شَيْئًا مِنهُما بَلْ عَلى أنَّهُ لا اسْتِعْدادَ مِن جِهَتِهِمْ ولا إفادَةَ مِن جِهَتِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ جُوعَهم وعَطَشَهم لَيْسا مِن قَبِيلِ ما هو المَعْهُودُ مِنهُما في هَذِهِ النَّشْأةِ مِن حالَةٍ عارِضَةٍ لِلْإنْسانِ عِنْدَ اسْتِدْعاءِ الطَّبِيعَةِ لِبَدَلِ ما يَتَحَلَّلُ مِنَ البَدَنِ مُشَوِّقَةً لَهُ إلى المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ بِهِما عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ويَسْتَغْنِي بِهِما عَنْ غَيْرِهِما عِنْدَ اسْتِقْرارِهِما في المَعِدَةِ ويَسْتَفِيدُ مِنهُما قُوَّةً وسِمَنًا عِنْدَ انْهِضامِهِما بَلْ جُوعُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرارِهِمْ عِنْدَ اضْطِرامِ النّارِ في أحْشائِهِمْ إلى إدْخالِ شَيْءٍ كَثِيفٍ يَمْلَؤُها ويُخْرِجُ ما فِيها مِنَ اللَّهَبِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَهم شَوْقٌ إلى مَطْعُومٍ ما والتِذاذٍ بِهِ عِنْدَ الأكْلِ واسْتِغْناءٍ بِهِ عَنِ الغَيْرِ واسْتِفادَةِ قُوَّةٍ فَهَيْهاتَ. وكَذا عَطَشُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرارِهِمْ عِنْدَ أكْلِ الضَّرِيعِ والتِهابِهِ في بُطُونِهِمْ إلى شَيْءٍ مائِعٍ بارِدٍ لِيُطْفِئُوهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ التَّلَذُّذُ بِشُرْبِهِ أوِ اسْتِفادَةُ قُوَّةٍ بِهِ في الجُمْلَةِ وهو المَعْنى بِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ بِحَيْثُ يُضْطَرُّونَ إلى أكْلِ الضَّرِيعِ، فَإذا أكَلُوهُ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ العَطَشُ فاضْطَرُّوا إلى شُرْبِ الحَمِيمِ فَيَشْوِي وُجُوهَهم ويُقَطِّعُ أمْعاءَهم أعاذَنا اللَّهُ تَعالى وسائِرَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ انْتَهى.
وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ عَنِ الرَّأْيِ ولَيْسَ لَهُ فِيما وقَفْنا عَلَيْهِ مُسْتَنَدٌ يُؤَوَّلُ لِأجْلِهِ الظَّواهِرُ، فالحَقُّ أنَّ لَهم جُوعًا وعَطَشًا وشَهْوَةً إلى الطَّعامِ والشَّرابِ كَما أنَّ لِلْجائِعِ والعَطْشانِ في الدُّنْيا شَهْوَةً إلَيْهِما لَكِنَّهُما لَهم هُناكَ قَدْ بَلَغا الغايَةَ بِتَسْلِيطِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ بِدُونِ سَبَبٍ عادِيٍّ عَلى نَحْوِ ما في الدُّنْيا فَيَضْطَرُّونَ لِذَلِكَ إلى الضَّرِيعِ والحَمِيمِ كَما يُضْطَرُّ مَن أفْرَطَ فِيهِ الجُوعُ والعَطَشُ في الدُّنْيا إلى تَناوُلِ الكَرِيهِ البَشِعِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ لَكِنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما يَتَناوَلُونَهُ بَلْ يَزْدادُونَ بِهِ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ. نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
{"ayah":"لَّا یُسۡمِنُ وَلَا یُغۡنِی مِن جُوعࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











