الباحث القرآني
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهُ تَعالى ما في الجَنَّةِ عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الضَّلالَةِ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ إلَخْ. ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى إنْكارِ البَعْثِ كَما لا يَخْفى. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ (p-116)يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ «كَيْفَ» مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها عَلى أنَّها حالٌ مِن مَرْفُوعِ ( خُلِقَتْ ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ وقَدْ تُبْدَلُ الجُمْلَةُ وفِيها الِاسْتِفْهامُ مِنَ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَها كَقَوْلِهِمْ: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو. عَلى أصَحِّ الأقْوالِ عَلى أنَّ العَرَبَ قَدْ أدْخَلَتْ إلى عَلى كَيْفَ بَلا واسِطَةِ إبْدالٍ كَما أدْخَلَتْ عَلَيْها عَلى فَحُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: انْظُرْ إلى كَيْفَ يَصْنَعُ. كَما حُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: عَلى كَيْفَ تَبِيعُ الأحْمَرَيْنِ. وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ والتَّذْكِرَةِ وغَيْرِهِما أنَّهُ إذا عُلِّقَ الفِعْلَ عَمّا فِيهِ الِاسْتِفْهامُ لَمْ يَبْقَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقِيلَ: كَيْفَ بَدَلٌ مِنَ الإبِلِ وتَعَقَّبَهُ في المُغْنِي بِما في بَعْضِهِ نَظَرٌ، وجَوَّزَ في مَجْمَعِ البَيانِ كَوْنَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى، والإبِلُ يَقَعُ عَلى البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ وهو مُؤَنَّثٌ؛ ولِذا إذا صُغِّرَ دَخَلَتْهُ التّاءُ فَقالُوا: أُبَيْلَةٌ، وقالُوا في الجَمْعِ آبالٌ وقَدِ اشْتَقُّوا مِن لَفْظِهِ، فَقالُوا: أبِلَ وتَأبَّلَ الرَّجُلُ وتَعَجَّبُوا مِن هَذا الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ فَقالُوا: ما آبَلَ زَيْدًا. ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ فِيما قِيلَ اسْمًا جاءَ عَلى فِعِلٍ بِكَسْرِ الفاءِ والعِينِ، وغَيْرُ آبِلٍ أيْ أيُنْكِرُونَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خَلْقِ أكْثَرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ في عِظَمِ جُثَّتِها وشَدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئاتِها اللّائِقَةِ، بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وهي بارِكَةٌ وإيصالِها الأثْقالَ الفادِحَةَ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ حَتّى إنَّ ظَمَأها لَيَبْلُغُ العِشْرَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وهو ثَمانِيَةُ أيّامٍ بَيْنَ الوِرْدَيْنِ ورُبَّما يَجُوزُ ذَلِكَ وتُسَمّى حِينَئِذٍ الحَوازِيَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والزّايِ واكْتِفائِها بِالسَّيْرِ ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَقْتادُها بِقِطارِها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وفي تَأثُّرِها بِالصَّوْتِ الحَسَنِ عَلى غِلَظِ أكْبادِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْجَبُ ما عِنْدَ العَرَبِ مِنَ الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا ولَهم عَلى أحْوالِها أتَمُّ وُقُوفٍ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّها خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ، وقِيلَ لَهُ: الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: العَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِالفِيلِ ثُمَّ هو خِنْزِيرٌ لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ؛ أيْ: عَلى نَحْوِ ما يُرْكَبُ ظَهْرُ البَعِيرِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ في تَرْبِيضِهِ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ.
وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا السَّحابُ؛ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ وهي في هَيْئاتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ؛ يَعْنِي أنَّ إرادَتَهُ مِنها هُنا عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمَجازِ وكَأنَّهُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَدْعُ القائِلُ بِذَلِكَ إلّا طَلَبَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قانُونُ البَلاغَةِ وهي حاصِلَةٌ مَعَ بَقاءِ الإبِلِ في عُطُنِها. قالَ الإمامُ: التَّناسُبُ فِيها أنَّ الكَلامَ مَعَ العَرَبِ وهم أهْلُ أسْفارٍ عَلى الإبِلِ في البَرارِي فَرُبَّما انْفَرَدُوا فِيها، والمُنْفَرِدُ يَتَفَكَّرُ لِعَدَمِ رَفِيقٍ يُحادِثُهُ وشاغِلٍ يَشْغَلُهُ فَيَتَفَكَّرُ فِيما يَقَعُ عَلَيْهِ طَرْفُهُ فَإذا نَظَرَ لِما مَعَهُ رَأى الإبِلَ، وإذا نَظَرَ لِما فَوْقَهُ رَأى السَّماءَ، وإذا نَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا رَأى الجِبالَ، وإذا نَظَرَ لِأسْفَلَ رَأى الأرْضَ فَأُمِرَ بِالنَّظَرِ في خَلْوَتِهِ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّظَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ فَبَيْنَها مُناسَبَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ خَيالَ العَرَبِ جامِعٌ بَيْنَ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ مالَهُمُ النَّفِيسَ الإبِلُ، ومَدارَ السَّقْيِ لَهم عَلى السَّماءِ، ورَعْيَهم في الأرْضِ، وحِفْظَ مالِهِمْ بِالجِبالِ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ الإبِلِ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّرِيعِ، فَإنَّ خُطُورَها بَعْدَهُ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، وإذا صَحَّ ما رُوِيَ مِن كَلامِ قُرَيْشٍ عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ كانَ ذِكْرُها ألْطَفَ وألْطَفَ.
وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «إلى الإبْلِ» بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «الإبِلِّ» بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ والكِسائِيِّ وقالُوا: إنَّها السَّحابُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.
{"ayah":"أَفَلَا یَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











