الباحث القرآني
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ حَياةً تَنْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ رُوحَ أحَدِهِمْ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجَسَدِ فَيَحْيا، وهو غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّقْيِيدِ بِنَحْوِ حَياةٍ كامِلَةٍ عَلى أنَّهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِن نَفْسِ المُصْلى.
وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ لِأنَّ النَّجاةَ عَنِ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ في دارٍ يَمُوتُ فِيها العامِلُ ويَحْيا، والنَّظْمُ أقْرَبُ إلى هَذا المَعْنى كَيْفَ واللّائِقُ بِالمَعْنى السّابِقِ ثُمَّ لا يَكُونُ مَيِّتًا فِيها ولا حَيًّا فَتَأمَّلِ انْتَهى.
وفِي كَوْنِ اللّائِقِ بِالمَعْنى السّابِقِ ما ذَكَرَهُ دُونَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَنعٌ ظاهِرٌ والظّاهِرُ أنَّهُ لائِقٌ بِهِ مَعَ تَضَمُّنِهِ رِعايَةَ الفَواصِلِ وكَذا في تَوْجِيهِ كَوْنِ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ خَفاءٌ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ يُقالُ لِمَن وقَعَ في شِدَّةٍ واسْتَمَرَّ فِيها فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى خُلُودِهِمْ في العَذابِ وأمْرُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا لِظُهُورِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ الكُبْرى أفْظَعُ مِن دُخُولِها وصَلْيِها. واعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَوْتِ في النّارِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مَخْصُوصٍ بِالكَفَرَةِ وأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَها (p-109)فَيَمُوتُونَ فِيها، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، ولَكِنْ ناسٌ أصابَتْهُمُ النّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أوْ قالَ - بِخَطاياهم فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً حَتّى إذا كانُوا فَحْمًا أذِنَ في الشَّفاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبائِرَ ضَبائِرَ فَبُثُّوا عَلى أنْهارِ الجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ أفِيضُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الماءِ فَيُنْبِتُونَ نَباتَ الحَبَّةِ في حَمِيلِ السَّيْلِ»».
قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ يَمُوتُونَ حَقِيقَةً وتُفارِقُ أرْواحُهم أجْسادَهُمْ، وأُيِّدَ بِتَأْكِيدِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ في «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً»».
وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ حَظًّا أوْ نَصِيبًا قَوْمٌ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ فَيَرْتاحُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَيُنْبَذُونَ بِالعَراءِ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ البَقْلُ، حَتّى إذا دَخَلَتِ الأرْواحُ أجْسادَهم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا كَما أخْرَجْتَنا مِنَ النّارِ وأرْجَعْتَ الأرْواحَ إلى أجْسادِنا فاصْرِفْ وُجُوهَنا عَنِ النّارِ، فَيَصْرِفُ وُجُوهَهم عَنِ النّارِ»».
وهَذِهِ الإماتَةُ عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ يَذُوقُوا ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِها بِحَسْبِ ذُنُوبِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وإبْقاؤُهم فِيها مَيِّتِينَ إلى أنْ يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ لِإيجابِهِ تَأْخِيرَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ تِلْكَ المُدَّةَ كانَ تَتِمَّةً لِعُقُوبَتِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ فَتَكُونُ ذُنُوبُهم قَدِ اقْتَضَتْ أنْ يُعَذَّبُوا بِالنّارِ مُدَّةً ثُمَّ يُحْبَسُوا فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ مُدَّةً، فَهم كَمَن أذْنَبَ في الدُّنْيا فَضُرِبَ وحُبِسَ بَعْدَ الضَّرْبِ جَزاءً لِذَنْبِهِ ولَمْ يَبْقَوْا أحْياءً فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ كَخَزَنَتِها إمّا لِيَكُونَ أبْعَدَ عَنْ أنْ يَهُولَهم رُؤْيَتُها، أوْ لِتَكُونَ الإماتَةُ وإخْراجُ الرُّوحِ مِن تَتِمَّةِ العُقُوبَةِ أيْضًا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إماتَتُهم عِنْدَ إدْخالِهِمْ فِيها ويَكُونُ إدْخالُهم وصَرْفُ نَعِيمِ الجَنَّةِ عَنْهم مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيها عُقُوبَةً لَهم كالحَبْسِ في السِّجْنِ بِلا غُلٍّ ولا قَيْدٍ مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَألِّمِينَ حالَةَ مَوْتِهِمْ نَحْوَ تَألُّمِ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ وقَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ أخَفَّ مِن تَألُّمِهِمْ لَوْ بَقُوا أحْياءً كَما أنَّ تَألُّمَ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَبْرِهِ أخَفُّ مِن تَألُّمِهِ إذا أُدْخِلَ النّارَ بَعْدَ البَعْثِ وهو كَما تَرى. وفي مَطامِحِ الأفْهامِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإماتَةِ المَذْكُورَةِ وفي الحَدِيثِ الإنامَةُ وقَدْ سَمّى اللَّهَ تَعالى النُّوَّمَ وفاةً؛ لِأنَّ فِيهِ نَوْعًا مِن عَدَمِ الحِسِّ.
وفِي الحَدِيثِ المَرْفُوعِ: ««إذا أدْخَلَ اللَّهُ تَعالى المُوَحِّدِينَ النّارَ أماتَهم فِيها فَإذا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَخْرُجُوا أمَسَّهُمُ العَذابَ تِلْكَ السّاعَةَ»». انْتَهى.
والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
{"ayah":"ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











