الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِما ذُكِرَ مِن تَأْكِيدِ فَخامَةِ المُقْسَمِ بِهِ المُسْتَتْبِعِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، وقِيلَ: جَوابُهُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وهو كَما تَرى. و«إنْ» نافِيَةٌ. و«لَمّا» بِمَعْنى إلّا ومَجِيئُها كَذَلِكَ (p-96)لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ كَما نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الأخْفَشِ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ أوْ سَألْتُكَ لَما فَعَلْتَ كَذا يُرِيدُونَ إلّا وفَعَلْتَ، وبِهَذا رُدَّ عَلى الجَوْهَرِيِّ المُنْكِرِ لِذَلِكَ. وقالَ الرَّضِيُّ: لا تَجِيءُ إلّا بَعْدَ نَفْيٍ ظاهِرٍ أوْ مُقَدَّرٍ ولا تَكُونُ إلّا في المُفَرَّغِ؛ أيْ: بِخِلافِ إلّا. و«كُلُّ» لِتَأْكِيدِ العُمُومِ لِتَحَقُّقِ أصْلِهِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ وهو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ عَلى المَشْهُورِ «حافِظٌ». و«عَلَيْها» مُتَعَلِّقٌ بِهِ وعَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الرَّضِيِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما كَلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ؛ أيْ: مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ . ؎إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ ولَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وقِيلَ: هو مَن يَحْفَظُ عَمَلَها مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مَن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ الآيَةَ... ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما وخَصَّصُوا النَّفْسَ بِالمُكَلَّفَةِ، وقِيلَ: هو ومَن وُكِّلَ عَلى حِفْظِها والذَّبِّ عَنْها مِنَ المَلائِكَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ . وعَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««وُكِّلَ بِالمُؤْمِنِ مِائَةٌ وسِتُّونَ مَلِكًا يَذُبُّونَ عَنْهُ كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ الذُّبابُ، ولَوْ وُكِلَ العَبْدُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ»». وقِيلَ: هو العَقْلُ يُرْشِدُ المَرْءَ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ. وقَرَأ الأكْثَرُ لَما بِالتَّخْفِيفِ، فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ «إنْ» نافِيَةٌ كَما سَبَقَ واللّامُ بِمَعْنى «إلّا»، و«ما» زائِدَةٌ. وصَرَّحُوا هُنا بِأنَّ «كُلُّ» و«حافِظٌ» مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ فَلا تُغْفَلْ. وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ «إنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ و«كُلُّ» مُبْتَدَأٌ و(ما) زائِدَةٌ، واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنْ النّافِيَةِ وإنْ المُخَفَّفَةِ. و«حافِظٌ» خَبَرُ المُبْتَدَأِ و( عَلَيْها ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقُدِّرَ لِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ في غَيْرِ المَفْتُوحَةِ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ العَمَلِ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِإدْخالِ اللّامِ الفارِقَةِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الخَبَرُ جُمْلَةً فالأوْلى إدْخالُ اللّامِ عَلى الجُزْءِ الأوَّلِ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ، وإدْخالُها عَلى الجُزْءِ الثّانِي كَما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأفاضِلِ في حَواشِيهِ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ مَن قالَ: أيْ: إنَّ الشَّأْنَ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيرَ الضَّمِيرِ وإنَّما أرادَ بَيانَ حاصِلِ المَعْنى. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: «إنَّ» بِالتَّشْدِيدِ «وكُلَّ» بِالنَّصْبِ، و«لَما» بِالتَّخْفِيفِ فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ: «إنْ» و«ما» زائِدَةٌ، وعَلى جَمِيعِ القِراءاتِ أمْرُ الجَوابِيَّةِ ظاهِرٌ لِوُجُودِ ما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، وتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب