الباحث القرآني
سُورَةُ البُرُوجِ
لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها ولا في كَوْنِها اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ آيَةً، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها بِاشْتِمالِها كالَّتِي قَبْلُ عَلى وعْدِ المُؤْمِنِينَ (p-85)ووَعِيدِ الكافِرِينَ مَعَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وفَخامَةِ قَدْرِهِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ والخِداعِ وإيذاءِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى كالضَّرْبِ والقَتْلِ والصَّلْبِ والحَرْقِ بِالشَّمْسِ وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الشَّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ فَكانُوا يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ وأنَّ المُعَذِّبِينَ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ، وأنَّ الَّذِينَ عَذَّبُوهم مَلْعُونُونَ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذِّبُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ انْتَهى وهو وجْهٌ وجِيهٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ القُصُورِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، والمُرادُ بِها عِنْدَ جَمْعٍ البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ المَعْرُوفَةُ، وأصْلُ البُرْجِ الأمْرُ الظّاهِرُ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً لِلْقَصْرِ العالِي لِأنَّهُ ظاهِرٌ لِلنّاظِرِينَ، ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ بُرْجٌ أيْضًا وبُرُوجُ السَّماءِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ وإنِ التَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ فَهي في الأصْلِ اسْتِعارَةٌ فَإنَّها شُبِّهَتْ بِالقُصُورِ لِعُلُوِّها ولِأنَّ النُّجُومَ نازِلَةٌ فِيها كَسُكّانِها فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ تَتْبَعُها مَكْنِيَّةٌ، وقِيلَ: شُبِّهَتِ السَّماءُ بِسُورِ المَدِينَةِ فَأُثْبِتَ لَها البُرُوجُ وقِيلَ: هي مَنازِلُ القَمَرِ وهَذا راجِعٌ إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ البُرُوجَ مُنْقَسِمَةٌ إلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ مَنزِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي النُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الكَواكِبِ بَدَلَ النُّجُومِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ: هِي النُّجُومُ العِظامُ، وعَلَيْهِ إنَّما سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها وكَذا عَلى ما قَبْلَهُ وإنِ اخْتَلَفَتِ الظُّهُورُ، ولَمْ يَظْهَرْ شُمُولُهُ جَمِيعَ النُّجُومِ، وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ النَّوازِلَ تَخْرُجُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنها فَجُعِلَتْ مُشَبَّهَةً بِقُصُورِ العُظَماءِ النّازِلَةِ أوْ أمْرُهم مِنها أوْ لِأنَّها لِكَوْنِها مَبْدَأً لِلظُّهُورِ وُصِفَتْ بِهِ مَجازًا في الطَّرَفِ، وقِيلَ في النِّسْبَةِ والبُرُوجِ الِاثْنا عَشَرَ في الحَقِيقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو أهْلِ الهَيْئَةِ مُعْتَبِرَةً في الفَلَكِ الأعْلى المُسَمّى بِفَلَكِ الأفْلاكِ والفَلَكِ الأطْلَسِ، وزَعَمُوا أنَّهُ العَرْشُ بِلِسانِ الشَّرْعِ لَكِنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ ظاهِرَةً حِسًّا دَلُّوا عَلَيْها بِما سامَتْها وقْتَ تَقْسِيمِ الفَلَكِ الأعْلى مِنَ الصُّوَرِ المَعْرُوفَةِ كالحَمَلِ والثَّوْرِ وغَيْرِهِما الَّتِي هي في الفَلَكِ الثّامِنِ المُسَمّى عِنْدَهم بِفَلَكِ الثَّوابِتِ وبِالكُرْسِيِّ في لِسانِ الشَّرْعِ عَلى ما زَعَمُوا، فَبُرْجُ الحَمَلِ مَثَلًا لَيْسَ إلّا جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الفَلَكِ الأعْلى سامَتَتْهُ صُورَةُ الحَمَلِ مِنَ الثَّوابِتِ وقْتَ التَّقْسِيمِ، وبُرْجُ الثَّوْرِ لَيْسَ إلّا جُزْءًا مِن ذَلِكَ سامَتَتْهُ صُورَةُ الثَّوْرِ مِنها ذَلِكَ الوَقْتَ أيْضًا وهَكَذا وإنَّما قِيلَ وقْتَ التَّقْسِيمِ لِأنَّ كُلَّ صُورَةٍ قَدْ خَرَجَتْ لِحَرَكَتِها وإنْ كانَتْ بَطِيئَةً عَمّا كانَتْ مُسامِتَةً لَهُ مِن تِلْكَ البُرُوجِ حَتّى كادَ يُسامِتُ الحَمَلُ اليَوْمَ بُرْجَ الثَّوْرِ والثَّوْرُ بُرْجَ الجَوْزاءِ وهَكَذا، فَعَلى هَذا وكَوْنُ المُرادِ بِالبُرُوجِ البُرُوجُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أوِ المَنازِلُ قِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ الفَلَكُ الأعْلى وقِيلَ الفَلَكُ الثّامِنُ لِظُهُورِ الصُّوَرِ الدّالَّةِ عَلى البُرُوجِ فِيهِ، ولِذا يُسَمّى فَلَكَ البُرُوجِ. وقِيلَ: السَّماءُ الدُّنْيا لِأنَّها تُرى فِيها بِظاهِرِ الحِسِّ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وقِيلَ: الجِنْسُ الشّامِلُ لِكُلِّ سَماءٍ لِأنَّ السَّماواتِ شَفّافَةٌ فَيُشارِكُ العُلْيا فِيما فِيها السُّفْلى لِأنَّهُ يُرى فِيها ظاهِرًا، وإذا أُرِيدَ بِالبُرُوجِ النُّجُومُ فَقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ الفَلَكُ الثّامِنُ؛ لِأنَّها فِيهِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: السَّماءُ الدُّنْيا وقِيلَ: الجِنْسُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ولا يُرادُ عَلى ما قِيلَ الفَلَكُ الأطْلَسُ، أعْنِي الفَلَكَ الأعْلى؛ لِأنَّهُ كاسْمِهِ غَيْرُ مُكَوْكَبٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الأبْوابُ فَقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ ما عَدا فَلَكَ الأفْلاكِ المُسَمّى بِلِسانِ الشَّرْعِ بِالعَرْشِ فَإنَّهُ لَمْ يُرَدْ أنَّ لَهُ أبْوابًا، هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمِينَ وهو لا يَصِحُّ لَهُ مُسْتَنَدٌ شَرْعًا ولا يَكادُ تَسْمَعُ فِيهِ إطْلاقَ السَّماءِ عَلى العَرْشِ أوِ الكُرْسِيِّ، لَكِنْ لَمّا سَمِعَ بَعْضُ الإسْلامِيِّينَ (p-86)مِنَ الفَلاسِفَةِ أفْلاكًا تِسْعَةً وأرادَ تَطْبِيقَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ في الشَّرْعِ زَعَمَ أنَّ سَبْعَةً مِنها هي السَّماواتُ السَّبْعُ، والِاثْنَيْنِ الباقِيَيْنِ هُما الكُرْسِيُّ والعَرْشُ ولَمْ يَدْرِ أنَّ في الأخْبارِ ما يَأْبى ذَلِكَ، وكَوْنُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ يَقْتَضِيهِ مَحَلُّ بَحْثٍ كَما لا يَخْفى. ومَن رَجَعَ إلى كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ المُحْدَثِينَ ونَظَرَ في أدِلَّتِهِمْ عَلى ما قالُوهُ في أمْرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِها قَوِيَ عِنْدَهُ وهُنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ في ذَلِكَ؛ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: البُرُوجُ هي المَنازِلُ لِلْكَواكِبِ مُطْلَقًا الَّتِي يُشاهِدُها الخَواصُّ والعَوامُّ وما عَلَيْنا في أيِّ سَماءٍ كانَتْ أوِ الكَواكِبُ أنْفُسُها أيْنَما كانَتْ أوْ أبْوابُ السَّماءِ الوارِدَةُ في لِسانِ الشَّرْعِ والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ وهي لِكُلِّ سَماءٍ ولَمْ يَثْبُتْ لِلْعَرْشِ ولا لِلْكُرْسِيِّ مِنها شَيْءٌ ويُرادُ بِالسَّماءِ جِنْسُها أوِ السَّماءُ الدُّنْيا في غَيْرِ القَوْلِ الأخِيرِ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ فَلا تَغْفُلْ.
{"ayah":"وَٱلسَّمَاۤءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











