الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرَحِيقٍ مِثْلُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، و﴿تَسْنِيمٍ﴾ عَلَمٌ لِعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّهُ قالَ: عَيْنٌ مِن عَدْنٍ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَمَهُ إذا رَفَعَهُ؛ إمّا لِأنَّ شَرابَها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُتَسَنِّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرِفْعَةِ مَن يَشْرَبُ بِها، ولا يَلْزَمُ مَن كَوْنِهِ عَلَمًا لِما ذُكِرَ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ العَيْنَ مُؤَنَّثَةٌ؛ إذْ هي قَدْ تُذَكَّرُ بِتَأْوِيلِ الماءِ أوْ نَحْوِهِ و«مِن» بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ هو تَسْنِيمٌ؛ أيْ: ماءُ تِلْكَ العَيْنِ أوْ بَعْضُ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً. ﴿عَيْنًا﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى الحالِ مِن تَسْنِيمٍ. قِيلَ: وصَحَّ كَوْنُهُ حالًا مَعَ جُمُودِهِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ كَجارِيَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاشْتِقاقَ غَيْرُ لازِمٍ، والباءُ إمّا زائِدَةٌ؛ أيْ: يَشْرَبُها أوْ بِمَعْنى مِن؛ أيْ: يَشْرَبُ مِنها، أوْ عَلى تَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى يَرْوى؛ أيْ: يَشْرَبُ راوِينَ بِها أوْ يَرْوى بِها شارِبِينَ المُقَرَّبُونَ أوْ صِلَةُ الِالتِذاذِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُلْتَذًّا بِها، أوِ الِامْتِزاجِ؛ أيْ: يَشْرَبُ الرَّحِيقَ مُمْتَزِجًا بِها، أوِ الِاكْتِفاءِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُكْتَفِينَ بِها، أوْجُهٌ ذَكَرُوها، وفي كَوْنِها صِلَةَ الِامْتِزاجِ مَقالٌ؛ فَقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو صالِحٍ: يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا وتُمْزَجُ لِلْأبْرارِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّ الأبْرارَ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السّابِقُونَ كَأنَّهم إنَّما كانَ شَرابُهم صِرْفَ التَّسْنِيمِ لِاشْتِغالِهِمْ عَنِ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ بِمَحَبَّةِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ فَهي الرَّحِيقُ الَّتِي لا يُقاسُ بِها رَحِيقٌ، والمُدامَةُ الَّتِي تَواصى عَلى شُرْبِها ذَوُو الأذْواقِ والتَّحْقِيقِ: ؎عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُهُ ولَيْسَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ وقالَ قَوْمٌ: الأبْرارُ والمُقَرَّبُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَن نُعِّمَ في الجَنَّةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب