الباحث القرآني

﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أيْ: رَكَّبَكَ ووَضَعَكَ في أيِّ صُورَةٍ اقْتَضَتْها مَشِيئَتُهُ تَعالى وحِكْمَتُهُ جَلَّ وعَلا مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الطُّولِ والقِصَرِ ومَراتِبِ الحُسْنِ ونَحْوِها، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «رَكَّبَكَ، وأيِّ» لِلصِّفَةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ: ؎أرَأيْتَ أيَّ سَوالِفٍ وخُدُودِ بَرَزَتْ لَنا بَيْنَ اللِّوى وزَرُودِ ولَمّا أُرِيدَ التَّعْمِيمُ لَمْ يُذْكَرْ مَوْصُوفُها، وجُمْلَةُ: ( شاءَ ) صِفَةٌ لَها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وما مَزِيدَةٌ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها بَيانٌ لِعَدَلَكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: رَكَّبَكَ كائِنًا في أيِّ صُورَةٍ شاءَها، وقِيلَ: «أيِّ» مَوْصُولَةٌ صِلَتُها جُمْلَةُ شاءَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رَكَّبَكَ في الصُّورَةِ الَّتِي شاءَها. وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّ أيًّا المَوْصُولَةَ لا تُضافُ إلى نَكِرَةٍ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ في الألْفِيَّةِ: واخْصُصَنْ بِالمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أيًّا. وفِي شَرْحِها لِلسُّيُوطِيِّ مَعَ اشْتِراطِ ما سَبَقَ يَعْنِي كَوْنَ المَعْرِفَةِ غَيْرَ مُفْرَدَةٍ فَلا تُضِفْها إلى نَكِرَةٍ خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ «إيِّ» شَرْطِيَّةً والماضِي في جَوابِها في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ إذا نُظِرَ إلى تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ وتَرَتُّبِ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ فَجِيءَ بِصُورَةٍ إلى الماضِي نَظَرًا إلى المَشِيئَةِ، وأداةُ الشَّرْطِ نَظَرًا إلى المُتَعَلِّقِ والتَّرَتُّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا «بِعَدَلَكَ» وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في «أيِّ» الصِّفَةُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: «فَعَدَلَكَ في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ في صُورَةٍ عَجِيبَةٍ» ثُمَّ حَذَفَ المَوْصُوفَ زِيادَةً لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْجِيبِ. و«أيِّ» هَذِهِ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لَكِنَّها (p-65)لِانْسِلاخِ مَعْناها عَنْها بِالكُلِّيَّةِ عَمَلِ فِيها ما قَبْلَها، ويَكُونُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وما إمّا مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً مُبْتَدَأً أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ «رَكَّبَكَ»؛ أيْ: ما شاءَ مِنَ التَّرْكِيبِ رَكَّبَكَ فِيهِ أوْ تَرْكِيبًا شاءَ رَكَّبَكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، و«شاءَ» فِعْلَ الشَّرْطِ و«رَكَّبَكَ» جَزاؤُهُ؛ أيْ: إنْ شاءَ تَرْكِيبَكَ في أيِّ صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ رَكَّبَكَ فِيها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِصُورَةٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ولَمْ يُجَوِّزُوا عَلى هَذا الوَجْهِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِرَكَّبَكَ لِأنَّ مَعْمُولَ «ما» في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب