الباحث القرآني
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والبَدَلُ هو المَجْرُورُ وأُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ عَلى (p-62)المَشْهُورِ، وقِيلَ: هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كَلٍّ لِإلْحاقِ مَن لَمْ يَشَأْ بِالبَهائِمِ ادِّعاءً وهو تَكَلُّفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مَفْعُولُ ( شاءَ ) أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الِاسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ العالَمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيِ الِاسْتِقامَةَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم فَمَشِيئَتُكم بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَلِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهِمْ أجْمَعِينَ أوْ ما تَشاؤُونَ الِاسْتِقامَةَ مَشِيئَةً نافِعَةً مُسْتَتْبِعَةً لَها إلّا بِأنْ يَشاءَها اللَّهُ تَعالى، فَلَهُ سُبْحانُهُ الفَضْلُ والحَقُّ عَلِيمٌ بِاسْتِقامَتِكم إنِ اسْتَقَمْتُمْ. رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: جُعِلَ الأمْرُ إلَيْنا إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ الآيَةَ. وأنْ وما مَعَها هُنا عَلى ما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: وما تَشاءُونَ الِاسْتِقامَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِقامَتَكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ نِيابَةِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ مِن «أنْ والفِعْلِ» عَنِ الظَّرْفِ وفي البابِ الثّامِنِ مِنَ المَعْنى أنَّ «أنْ وصِلَتَها» لا يُعْطِيانِ حُكْمَ المَصْدَرِ في النِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ تَقُولُ: جِئْتُكَ صَلاةَ العَصْرِ، ولا يَجُوزُ جِئْتُكَ أنْ تُصَلِّيَ العَصْرَ، فالأوْلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ وذَهَبَ القاضِي إلى الثّانِي.
وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ و«أنْ» خاصَّةٌ لِلِاسْتِقْبالِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وقْتُ مَشِيئَتِهِ تَعالى المُسْتَقْبَلُ ظَرْفًا لِمَشِيئَةِ العَبْدِ الحالِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِنَفْيِ الحالِ، ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِذَلِكَ اشْتَرَطَ انْتِفاءَ القَرِينَةِ عَلى خِلافِهِ ولَمْ تَنْتِفْ هاهُنا لِمَكانِ «أنْ» في حَيِّزِها أوْ بِأنَّ كَوْنَ «أنْ» لِلِاسْتِقْبالِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافُهُ، وهاهُنا قَدْ وُجِدَتْ لِمَكانِ ما قَبْلَها فَهي لِمُجَرَّدِ المَصْدَرِيَّةِ. وقِيلَ: يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ بِجَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَلْيُجْعَلْ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَدْ أُورِدَ عَلى وجْهِ السَّبَبِيَّةِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما لِنَفْيِ الحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ سَبَبِيَّةُ المُتَأخِّرِ لِلْمُتَقَدِّمِ ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأوْضَحِ المَسالِكِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: الشَّمْسُ شَمْسُ الرُّوحِ، والنُّجُومُ نُجُومُ الحَواسِّ، والجِبالُ جِبالُ القَوالِبِ؛ وهي تَسِيرُ كُلَّ وقْتٍ إلّا أنَّهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوبِ إذا كُشِفَ لَهُ الغِطاءُ، والعِشارُ عِشارُ القُوى القالَبِيَّةِ، والوُحُوشُ وُحُوشُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ النَّفْسانِيَّةِ، والبِحارُ بِحارُ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ، والنُّفُوسُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَزْوِيجُها قَرْنُ كُلِّ قُوَّةٍ بِعَمَلِها، والمَوْءُودَةُ الخَواطِرُ الإلْهامِيَّةُ الَّتِي تَرِدُ عَلى السّالِكِ فَيَئِدُها في قَبْرِ القالَبِ ويُظْلِمُها، والصُّحُفُ عَلى ظاهِرِها، والسَّماءُ سَماءُ الصَّدْرِ، والجَحِيمُ جَحِيمُ النَّفْسِ وتَسْعِيرُها بِنِيرانِ الهَوى، والجَنَّةُ جَنَّةُ القَلْبِ، والخُنَّسُ الأنْوارُ المُودَعَةُ في القُوى القَلْبِيَّةِ، واللَّيْلُ الأنْوارُ الجَلالِيَّةُ، والصُّبْحُ الأنْوارُ الجَمالِيَّةُ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُسْتَدَلُّ بِحالِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ حَكى أبُو حَيّانَ شَيْئًا مِن نَحْوِ ذَلِكَ وعَقَّبَهُ بِتَشْنِيعٍ فَظِيعٍ وهو لا يَتِمُّ إلّا إذا أُنْكِرَ إرادَةُ الظّاهِرِ، وأمّا إذا لَمْ تُنْكَرْ وجُعِلَ ما ذَكَرَهُ ونَحْوَهُ مِن بابِ الإشارَةِ فَلا يَتِمُّ أمْرُ التَّشْنِيعِ كَما حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. .
{"ayahs_start":28,"ayahs":["لِمَن شَاۤءَ مِنكُمۡ أَن یَسۡتَقِیمَ","وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"],"ayah":"لِمَن شَاۤءَ مِنكُمۡ أَن یَسۡتَقِیمَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











