الباحث القرآني

﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قِيلَ: أيْ لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمًا قَبْلَ تَقْدِيمِ ما يُبَيِّنُ لَهم أمْرًا أوْ نَهْيًا، ورَوى ذَلِكَ (p-35)الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أوِ المُخْطِئِ في مِثْلِ هَذا الِاجْتِهادِ، وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قِصَّةِ حاطِبٍ وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا: وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وزَعَمَ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، والعَجَبُ مِنَ الإمامِ الرّازِيِّ كَيْفَ تَفَوَّهَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ مَن حَضَرَ بَدْرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، ويَغْفِرُ لَهُ الذَّنْبَ لَوْ صَدَرَ مِنهُ ويُثْبِتُهُ عَلى الإيمانِ الَّذِي مَلَأ بِهِ صَدْرَهُ إلى المُوافاةِ لِعِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الوَقْعَةِ إذْ هي أوَّلُ وقْعَةٍ أعَزَّ اللَّهُ تَعالى بِها الإسْلامَ وفاتِحَةً لِلْفُتُوحِ والنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ الأمْرُ في الحَدِيثِ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: هو أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَصِيرُ حَلالًا لَهم، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ مِساسِ العَذابِ فَإنَّ الحَلَّ اللّاحِقَ لا يَرْفَعُ حُكْمَ الحُرْمَةِ السّابِقَةِ كَما أنَّ الحُرْمَةَ اللّاحِقَةَ كَما في الخَمْرِ مَثَلًا لا تَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ السّابِقَةِ، عَلى أنَّهُ قادِحٌ في تَهْوِيلٍ مانِعِيٍّ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الفِداءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ ) أيْ لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ أخْذِكم أوِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ كَوْنِها سَتَحِلُّ سَبَبًا لِلْعَفْوِ ومانِعًا عَنْ وُقُوعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المُرادِ بِما في الآيَةِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَوْنُ المُباحِ سَيُحَرَّمُ سَبَبًا لِلِانْتِقامِ ومانِعًا مِنَ العَفْوِ تَغْلِيبًا لِجانِبِ الرَّحْمَةِ عَلى الجانِبِ الآخَرِ، وحاصِلُ المَعْنى أنَّ ما فَعَلْتُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذابِ العَظِيمِ لَكِنَّ الَّذِي تَسَبَّبَ العَفْوُ عَنْهُ ومَنَعَ تَرَتُّبَ العَذابِ عَلَيْهِ إنِّي سَأُحِلُّهُ قَرِيبًا لَكم، ومِثْلُ ذَلِكَ نَظَرًا إلى رَحْمَتِي الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبِي يَصِيرُ سَبَبًا لِلْعَفْوِ ومانِعًا عَنِ العَذابِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لِتَكَلُّفِ هَذا الجَوابِ أنَّ ما ذُكِرَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأخْرَجاهُما، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المانِعُ مِن مِساسِ العَذابِ كُلَّ ما تَقَدَّمَ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِمانِعِي عَلَيْهِمْ حَيْثُ مَنَعَ مِن تَرَتُّبِ مِساسِ العَذابِ عَلَيْهِ مَوانِعُ جَمَّةٌ ولَوْلا تِلْكَ المَوانِعُ الجَمَّةُ لَتَرَتَّبَ، وتَعَدُّدُ مَوانِعِ شَيْءٍ واحِدٍ جائِزٌ ولَيْسَ كَتَعَدُّدِ العِلَلِ واجْتِماعُها عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ عَنِ الحَبْرِ في بَيانِ هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ مَرَّةٍ ذَكَرَ أمْرًا واحِدًا مِن تِلْكَ الأُمُورِ، والتَّنْصِيصُ عَلى الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ فافْهَمْ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِغَلَبَتِكم ونَصْرِكم لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ مِن أعْدائِكم بِغَلَبَتِهِمْ لَكم وتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ ويَنْهَبُونَ وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الغَلَبَةِ المَفْرُوضَةِ الغَلَبَةُ في بَدْرٍ فالأخْذُ الَّذِي هو سَبَبُها إنَّما وقَعَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَآلُ المَعْنى لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِغَلَبَتِكم لَغَلَبَكُمُ الكَفّارُ قَبْلُ بِسَبَبِ ما فَعَلْتُمْ بَعْدُ وهو كَما تَرى، وإنْ أُرِيدَ الغَلَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهي قَدْ مَسَّتِ القَوْمَ في أُحُدٍ فَإنَّ أعْداءَهم قَدْ قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ عَدَدَ الأسْرى وكانَ ما كانَ؛ فَلا يَصِحُّ نَفْيُ المَسِّ حِينَئِذٍ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”لَوْ أنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَذابٌ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ لِقَوْلِهِ: كانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ»“ وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ (p-36)بِالعَذابِ عَذابُ الدُّنْيا غَيْرُ القَتْلِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ لِمَكانٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ أنَّهُ اسْتُشْهِدَ مِنهم بِعِدَّتِهِمْ لِأنَّ الشَّهادَةَ لا تُعَدُّ عَذابًا، لَكِنَّ هَذا لا يَنْفَعُ ذَلِكَ القائِلَ لِأنَّهُ لَمْ يُفَسِّرِ العَذابَ إلّا بِالغَلَبَةِ وهي صادِقَةٌ في مادَّةِ الشَّهادَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب