الباحث القرآني

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ وحْدَهُ أوْ مَعَ أُمُورِ المُؤْمِنِينَ أوْ في الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالكَفّارِ كافَّةً إثْرَ بَيانِ الكِفايَةِ في مادَّةٍ خاصَّةٍ؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلنِّداءِ والتَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الحُكْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها النَّبِيُّ ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ أوْ فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَفَرَةِ مِنَ الحِرابِ لِنُبُوَّتِكَ. ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ كَقَوْلِهِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ: ؎فَحَسْبُكَ والضَّحاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدٌ إذا كانَتِ الهَيْجاءُ واشْتَجَرَ القَنا وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِكَلامِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ جَعَلَ زَيْدًا في قَوْلِهِمْ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ وكَفى زَيْدًا دِرْهَمٌ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ عِنْدَهُ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ سِيبَوَيْهِ كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِأبِي حَيّانَ لَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِكَلامِهِ حِينَ أنْشَدَ لَهُ قَصِيدَةً فَغَلَّطَهُ فِيها لَيْسَ نَبِيُّ النَّحْوِ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يُقَدَّرُ نَصْبُهُ عَلى مَوْضِعِ الكافِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ السَّفاقِسِيُّ بِأنَّ إضافَتَهُ حَقِيقِيَّةٌ لا لَفْظِيَّةٌ فَلا مَحَلَّ لَهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ وفِيهِ ما فِيهِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهو جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ بِدُونِ ذَلِكَ لِأنَّهُ كَجُزْءِ الكَلِمَةِ فَلا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ إمّا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ أيْ حَسْبُهُمُ اللَّهُ تَعالى، وإمّا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وإمّا عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ واخْتارَهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ ولا يَحْسُنُ هاهُنا كَما لَمْ يَحْسُنْ فِي: ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وشِئْتَ والحُسْنُ فِيهِ، ثُمَّ وفي الإخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ بِالفَرْقِ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى وبَيْنَ وُقُوعِهِ مِنّا، والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ نَزَلَتْ في البَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، والظّاهِرُ شُمُولُها لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُكَمِّلًا أرْبَعِينَ مُسْلِمًا ذُكُورًا وإناثًا هُنَّ سِتٌّ وحِينَئِذٍ تَكَوَّنَ مَكِّيَّةً. (p-31)و( مِن ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً وأنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً وذَلِكَ لِلِاخْتِلافِ في المُرادِ بِالمَوْصُولِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب