الباحث القرآني

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ وهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، واللّامُ عِنْدَ جَمْعٍ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: قُلْ لِأجْلِهِمْ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَمّا هم فِيهِ مِن مُعاداةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُعاداةُ والإنْفاقُ في الضَّلالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِلتَّبْلِيغِ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ألْفاظُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ سَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أمْ غَيْرِها، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ) بِالخِطابِ فَلا خِلافَ في أنَّها لِلتَّبْلِيغِ عَلى مَعْنى: خاطِبْهم بِذَلِكَ، وقُرِئَ: (نَغْفِرْ لَهُمْ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ إلى المُعاداةِ عَلى مَعْنى إنْ داوَمُوا عَلَيْها ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: عادَةُ اللَّهِ تَعالى الجارِيَةُ في الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وخِذْلانِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ، وأُضِيفَتِ السُّنَّةُ إلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ الظّاهِرَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ فَأضافَ السُّنَّةَ إلى المُرْسَلِينَ مَعَ أنَّها سُنَّتُهُ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ بِاعْتِبارِ جَرَيانِها عَلى أيْدِيهِمْ، ويَدْخُلُ في الأوَّلِينَ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى لِعُمُومِهِ، ولِأنَّ السُّنَّةَ تَقْتَضِي التَّكَرُّرَ في العُرْفِ وإنْ قالُوا: العادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، والجُمْلَةُ عَلى ما في البَحْرِ دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ يَعُودُوا انْتَقَمْنا مِنهم أوْ نَصَرْنا المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ كَفَّرُوا الكُفّارُ مُطْلَقًا، والآيَةُ حَثٌّ عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبٌ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ إنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ وأسْلَمُوا غُفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وخَرَجُوا مِنها كَما تَنْسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، وإنْ عادُوا إلى الكُفْرِ بِالِارْتِدادِ فَقَدْ رَجَعَ التَّسْلِيطُ والقَهْرُ عَلَيْهِمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ لا يُخاطَبُ بِقَضاءِ ما فاتَهُ مِن صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ أوْ صَوْمٍ أوْ إتْلافِ مالٍ أوْ نَفْسٍ، وأجْرى المالِكِيَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ في المُرْتَدِّ إذا تابَ لِعُمُومِ الآيَةِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى إسْقاطِ ما عَلى الذِّمِّيِّ مِن جِزْيَةٍ وجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلامِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ قالَ: لا يُؤاخَذُ الكافِرُ بِشَيْءٍ صَنَعَهُ في كُفْرِهِ إذا أسْلَمَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ إلَخْ. وقالَ بَعْضٌ: إنَّ الحَرْبِيَّ إذا أسْلَمَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ أصْلًا، وأمّا الذِّمِّيُّ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وتَلْزَمُهُ حُقُوقُ العِبادِ، ونُسِبَ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَذْهَبَهُ في المُرْتَدِّ كَمَذْهَبِ المالِكِيَّةِ في أنَّهُ إذا رَجَعَ إلى الإسْلامِ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ وهو كالصَّرِيحِ في أنَّ مَن عَصى طُولَ العُمْرِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ. ونَسَبَ بَعْضُهم قَوْلَ ذَلِكَ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَرِيحًا وادَّعى أنَّهُ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ، وأنَّهُ في غايَةِ الضَّعْفِ؛ إذِ المُرادُ بِالكُفْرِ المُشارِ إلَيْهِ في الآيَةِ هو الكُفْرُ الأصْلِيُّ، وبِما سَلَفَ ما مَضى في حالِ الكُفْرِ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ أبا حَنِيفَةَ ومالِكًا أبْقَيا الآيَةَ عَلى عُمُومِها لِحَدِيثِ: ««الإسْلامُ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»». وإنَّهُما قالا: إنَّ المُرْتَدَّ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى كَما في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ عَبْدِ الحَقِّ، وخالَفَهُما الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الحُقُوقِ، وأنا أقُولُ ما ذَكَرَهُ ذَلِكَ البَعْضُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في العاصِي المَذْكُورِ في غايَةِ الغَرابَةِ، وفي كُتُبِ الأصْحابِ ما يُخالِفُهُ، فَفي الخافِيَةِ: إذا كانَ عَلى المُرْتَدِّ قَضاءُ صَلَواتٍ أوْ صِياماتٍ تَرَكَها (p-207)فِي الإسْلامِ ثُمَّ أسْلَمَ قالَ شَمْسُ الأئِمَّةِ الحَلْوانِيُّ: عَلَيْهِ قَضاءُ ما تَرَكَ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ والصِّيامِ مَعْصِيَةٌ تَبْقى بَعْدَ الرِّدَّةِ، نَعَمْ ذَكَرَ قاضِيخانُ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الأشْياءِ يَسْقُطُ عَنْ هَذا المُرْتَدِّ إذا عادَ إلى الإسْلامِ وأطالَ الكَلامَ في المُرْتَدِّ، ولا بَأْسَ بِنَقْلِ شَيْءٍ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ في هَذا المَبْحَثِ؛ إذْ لا يَخْلُو عَنْ فائِدَةٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: مُسْلِمٌ أصابَ مالًا أوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ القَصاصُ أوْ حَدُّ قَذْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أوْ أصابَ ذَلِكَ، وهو مُرْتَدٌّ في دارِ الإسْلامِ ثُمَّ لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ وحارَبَ المُسْلِمِينَ زَمانًا، ثُمَّ جاءَ مُسْلِمًا فَهو مَأْخُوذٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ولَوْ أصابَ ذَلِكَ بَعْدَ ما لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا وأسْلَمَ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وما أصابَ المُسْلِمُ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى كالزِّنا والسَّرِقَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ ارْتَدَّ أوْ أصابَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ، ثُمَّ جاءَ مُسْلِمًا فَكُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ مَوْضُوعًا عَنْهُ إلّا أنَّهُ يَضْمَنُ المالَ في السَّرِقَةِ، وإذا أصابَ دَمًا في الطَّرِيقِ كانَ عَلَيْهِ القَصاصُ، وما أصابَ في قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنَ القَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلى عاقِلَتِهِ إنْ أصابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وفي مالِهِ أصابَهُ بَعْدَها، وإنْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِ حَدُّ الشُّرْبِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدارِ الحَرْبِ فَإنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الحَدِّ ابْتِداءً، فَإذا اعْتُرِضَ مَنعُ البَقاءِ وإنْ أصابَ المُرْتَدُّ ذَلِكَ وهو مَحْبُوسٌ لا يُؤاخَذُ بِحَدِّ الخَمْرِ والسُّكْرِ ويُؤاخَذُ بِما سِوى ذَلِكَ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَمَكَّنُ الإمامُ مِن إقامَةِ هَذا الحَدِّ إذا كانَ في يَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ حِينَ أصابَ ذَلِكَ ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدارِ الحَرْبِ فَهو مَوْضُوعٌ عَنْهُ أيْضًا. انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُمُ: المُرْتَدُّ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ العِبادِ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في الفُرُوعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الوَجْهَ في الآيَةِ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى المَقامِ وأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الكُفْرِ الكُفْرُ الأصْلِيُّ. و««الإسْلامُ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»» بَعْضٌ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ لِأُبايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ الشَّرِيفَةَ قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما لَكَ يا عَمْرُو؟ قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ. قالَ: تَشْتَرِطُ ماذا؟ قُلْتُ: أشْتَرِطُ أنْ يُغْفَرَ لِي. قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»» الحَدِيثَ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) لا يُمْكِنُ حَمْلُها في الكُلِّ عَلى العُمُومِ كَما لا يَخْفى فَلا تَغْفُلْ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ يَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مَعَ الإيمانِ حَتّى يُغْفَرَ لَهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب