الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ أيْ: أبْصارُ أهْلِها ذَلِيلَةٌ مِنَ الخَوْفِ، ولِذَلِكَ أضافَها إلَيْها؛ فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأبْصارِ البَصائِرُ؛ أيْ: صارَتِ البَصائِرُ ذَلِيلَةً لا تُدْرِكُ شَيْئًا فَكَنّى بِذُلِّها عَنْ عَدَمِ إدْراكِها لِأنَّ عِزَّ البَصِيرَةِ إنَّما هي بِالإدْراكِ، وبُحِثَ في كَوْنِ القُلُوبِ غَيْرَ مُدْرِكَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ شِدَّةُ الذُّهُولِ والحَيْرَةِ، جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِ «قُلُوبٌ». وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ أنَّ حَقَّ الصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ حَتّى قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ، فَحَيْثُ كانَ ثُبُوتُ الوَجِيفِ وثُبُوتُ الخُشُوعِ لِأبْصارِ أصْحابِ القُلُوبِ سَواءً في المَعْرِفَةِ والجَهالَةِ كانَ جَعْلُ الأوَّلِ عُنْوانَ المَوْضُوعِ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ مَفْرُوغًا عَنْهُ، وجَعْلُ الثّانِي مُخْبَرًا بِهِ مَقْصُودَ الإفادَةِ تَحَكُّمًا بَحْتًا عَلى أنَّ الوَجِيفَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرابِ القَلْبِ وقَلَقِهِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والوَجَلِ أشَدُّ مِن خُشُوعِ البَصَرِ وأهْوَلُ فَجُعِلَ وأهْوَلُ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةٌ، وأشُدُّهُما فَضْلَةٌ مِمّا لا عَهْدَ لَهُ في الكَلامِ، وأيْضًا فَتَخْصِيصُ الخُشُوعِ بِقُلُوبٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مُشْعِرَةٍ بِالعُمُومِ والشُّمُولِ (p-27)تَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ في مَوْقِعِ التَّهْوِيلِ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُشْتَهَرَ وما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلى اطِّرادِهِ، وأنَّ بَعْضَ ما اعْتُرِضَ بِهِ يَنْدَفِعُ عَلى ما يَفْهَمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ مِن جَوازِ جَعْلِ المُفْرَدِ خَبَرًا والجُمْلَةُ بَعْدُ صِفَةٌ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، وما قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن أنَّ جَعْلَ التَّنْوِينِ لِلتَّنْوِيعِ مَعَ إلْباسِهِ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ، وكَوْنُهُ كالوَصْفِ مَعْنًى تَعَسُّفُ خُرُوجٍ عَنِ الإنْصافِ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ النَّكِرَةَ تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا تَتَخَصَّصُ بِالأجْرامِ بِظُرُوفِ الزَّمانِ وقَدَّرَ عِصامُ الدِّينِ جَوابَ القَسَمِ: لَيَأْتِيَنَّ. وقالَ: نَحْنُ نُقَدِّرُهُ كَذَلِكَ ونَجْعَلُ: «يَوْمَ تَرْجُفُ» فاعِلًا لَهُ مَرْفُوعَ المَحَلِّ ونَجْعَلُ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ صِفَةً لِلرّاجِفَةِ بِجَعْلِها في حُكْمِ النَّكِرَةِ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ نَحْوَ: «أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي» وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ و«يَوْمَ» مَنصُوبٌ بِهِ ولامُ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: لِيَوْمِ كَذا تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ولَمْ تَدْخُلْ نُونُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ اللّامِ المُقَدَّرَةِ والفِعْلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ هُوَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: قَدْ أتاكَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ والنّازِعاتِ وخَطَّأهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ الفاءَ لا يُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ، وبِالجُمْلَةِ الوَجْهُ الوَجِيهُ هو ما قَدَّمْنا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب