الباحث القرآني

﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالحِسابِ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وتُسَبُّبُ الذَّوْقِ والأمْرُ بِهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ إلَخْ؛ أيْ: إذا ذاقُوا الحَمِيمَ والغَسّاقَ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ الجُمَلُ بَيْنَهُما اعْتِراضِيَّةٌ، وفِيهِ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ مَعَ ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ الِاعْتِراضِ ومَجِيئِهِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ لِتَقْدِيرِ إحْضارِهِمْ وقْتَ الأمْرِ لِيُخاطَبُوا بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وهو أعْظَمُ في الإهانَةِ والتَّحْقِيرِ، ولَوْ قُدِّرَ القَوْلُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ التِفاتٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَألْتُ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِيَّ عَنْ أشَدِّ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ النّارِ، فَقالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ ووَجْهُ الأشَدُّيَّةِ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ تَقْرِيعٌ في يَوْمِ الفَصْلِ وغَضَبٌ مِن أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وتَأْيِيسٌ لَهم مَعَ ما فِي: «لَنْ» أيْ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِها التَّأْبِيدَ مِن أنَّ تَرْكَ الزِّيادَةِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ أشَدُّ حُجَجِ القُرْآنِ عَلى أهْلِ النّارِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَهم في الدُّنْيا هَذا الوَعِيدُ ولَمْ يَخافُوا مِنهُ فَقَدْ قَبِلُوا العَذابَ الأبَدِيَّ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ فَلا عُذْرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ في الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِخُلُودِ النّارِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، واسْتُشْكِلَ أمْرُ زِيادَةِ العَذابِ بِمُنافاتِها كَوْنَ الجُزْءِ مُوافِقًا لِلْأعْمالِ وأُجِيبَ بِأنَّها لِحِفْظِ الأصْلِ إذْ لَوْلاها لَألِفُوا ما أصابَهم مِنَ العَذابِ أوَّلَ مَرَّةٍ ولَمْ يَتَألَّمُوا بِهِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ العَذابَ لَمّا كانَ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي وهي مُتَزايِدَةٌ في القُبْحِ في كُلِّ آنٍ فالكُفْرُ مَثَلًا في الزَّمَنِ الثّانِي أقْبَحُ مِنهُ في الزَّمَنِ الأوَّلِ وهَكَذا، وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ اسْتِمْرارَهم عَلى ذَلِكَ اقْتَضى ذَلِكَ زِيادَةَ العَذابِ وشِدَّتَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا وقِيلَ: (p-18)لَمّا كانَ كُفْرُهم أعْظَمَ كُفْرٍ اقْتَضى أشَدَّ عَذابٍ، والعَذابُ المُزادُ يَوْمًا فَيَوْمًا مِن أشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَلْيُتَأمَّلْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب