الباحث القرآني
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى الكُفّارِ فَإنَّ لَهُ عاقِبَةً حَمِيدَةً ﴿ولا تُطِعْ﴾ قِلَّةَ صَبْرٍ مِنكَ عَلى أذاهم وضَجَرًا مِن تَأخُّرِ نَصْرِكَ ﴿مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قِيلَ إنَّ ( أوْ ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ في جَمِيعِ مَواقِعِها، ويَعْرِضُ لَها مَعانٍ أُخَرُ كالشَّكِّ والإباحَةِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ أصْلُ المَعْنى هُنا ﴿ولا تُطِعْ مِنهُمْ﴾ أحَدَ النَّوْعَيْنِ ولَمّا كانَ أحَدٌ الأغْلَبُ عَلَيْهِ في غَيْرِ الإثْباتِ العُمُومُ واحْتِمالُ غَيْرِهِ احْتِمالٌ مَرْجُوحٌ صارَ المَعْنى عَلى النَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ هَذا وهَذا، ولَمْ يُؤْتَ بِالواوِ لِاحْتِمالِ الكَلامِ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنِ المَجْمُوعِ ويَحْصُلُ امْتِثالُهُ بِالِانْتِهاءِ عَنْ واحِدٍ دُونَ الآخَرِ، فَلا يُرِدْ أنْ لا تَطَلَّعَ أحَدَ النَّوْعَيْنِ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ بِهِ بِتَرْكِ إطاعَةِ واحِدٍ مِن إطاعَةِ الآخَرِ إذْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لَمْ يُطِعْ أحَدَهُما، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ ( أوْ ) في الإثْباتِ تُفِيدُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وفي النَّفْيِ تُفِيدُ نَفْيَ كِلا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في مَعْنى كَلامِ ابْنِ الحاجِبِ حَيْثُ قالَ: إنَّ وضْعَ ( أوْ ) لِإثْباتِ الحُكْمِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّهُ إنْ حَصَلَتْ قَرِينَةٌ يُفْهَمُ مَعَها أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ حاجِزٍ عَنِ الآخَرِ مِثْلَ قَوْلِكَ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ سُمِّيَ إباحَةً وإنْ حَجَرَ فَهو لِأحَدِ الأمْرَيْنِ. واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم وُقُوعَها في النَّهْيِ كَـ لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا إذا لَوِ انْتَهى عَنْ أحَدِهِما لَمْ يَمْتَثِلْ.
ومِن ثَمَّ حَمَلَها بَعْضُهم يَعْنِي أبا عُبَيْدَةَ عَلى أنَّها بِمَعْنى الواوِ والأوَّلُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها وإنَّما جاءَ التَّعْمِيمُ فِيها مِن وراءِ ذَلِكَ وهو النَّهْيُ الَّذِي فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ المَعْنى قَبْلَ وُجُودِ النَّهْيِ تُطِيعُ آثِمًا أوْ كَفُورًا أيْ واحِدًا مِنهُما، فَإذا جاءَ النَّهْيُ ورَدَ عَلى ما كانَ ثابِتًا في المَعْنى فَيَصِيرُ المَعْنى ولا تُطِعْ واحِدًا مِنهُما فَيَجِيءُ التَّعْمِيمُ فِيهِما مِن جِهَةِ النَّهْيِ وهي عَلى بابِها فِيما ذَكَرَ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِانْتِهاءُ عَنْ أحَدِهِما حَتّى يَنْتَهِيَ عَنْهُما بِخِلافِ الإثْباتِ فَإنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ انْتَهى.
وعَلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ إفادَةَ العُمُومِ في النَّفْيِ والنَّهْيِ الَّذِي في مَعْناهُ لَمّا أنْ تَقَيَّضَ الإيجابُ الجُزْئِيُّ السَّلْبَ الكُلِّيَّ. وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ الزَّجّاجِ إنَّ ( أوْ ) هاهُنا أوْكَدُ مِنَ الواوِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ، فَإذا أبْدَلْتَها بَأْوْ فَقَدْ دَلَّلَتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ لِأنْ يُعْصى ويُعْلَمُ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ إطاعَتِهِما مَعًا كَما لا يَخْفى. وأفادَ جارُ اللَّهِ أنَّ ( أوْ ) باقِيَةٌ عَلى حَقِيقَتِها وأنَّ النَّهْيَ عَنْ إطاعَتِهِما جَمِيعًا إنَّما جاءَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ وهي المُسَمّى مَفْهُومَ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ الأوَّلِيِّ والمُساوِيِّ فَتَأمَّلْ.
والمُرادُ بِالآثِمِ والكَفُورِ جِنْسُهُما وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الوَصْفَيْنِ لَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ في الإثْمِ والكُفْرِ لا فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ، والمُرادُ ولا تُطِعْ مُرْتَكِبَ الإثْمِ الدّاعِيَ لَكَ إلَيْهِ أوْ مُرْتَكِبَ الكُفْرِ الدّاعِيَ إلَيْهِ أيْ لا تَتْبَعْ أحَدًا مِنَ الآثِمِ إذا دَعاكَ إلى الإثْمِ، ومِنَ الكَفُورِ إذا دَعاكَ إلى الكُفْرِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لا تُطِعْ (p-166)الظّالِمَ فُهِمَ مِنهُ لا تَتْبَعُهُ في الظُّلْمِ إذا دَعاكَ إلَيْهِ ومَنعُ هَذا الفَهْمِ مُكابَرَةٌ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاقْتِداءِ بِالفاسِقِ إذا صَلّى إمامًا ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ بِاعْتِبارِ ما يَدْعُوانِ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ المُقابِلِ لَهُ لا بِاعْتِبارِ الذَّواتِ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم آثِمًا وبَعْضُهم كَفُورًا فَيُقالُ: كَيْفَ ذَلِكَ وكُلُّهم كَفَرَةٌ والمُبالَغَةُ في «كَفُورٍ» قِيلَ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: 130] واعْتِبارُ رُجُوعِها إلى النَّهْيِ كاعْتِبارِ رُجُوعِها إلى النَّفْيِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] كَما تَرى، وقِيلَ الآثِمُ المُنافِقُ والكَفُورُ المُشْرِكُ المُجاهِرُ. وقِيلَ الآثِمُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما قالا لَهُ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ فَنَزَلَتْ
وقِيلَ الكَفُورُ أبُو جَهْلٍ والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ والأوْلى ما تَقَدَّمَ. وفي النَّهْيِ مَعَ العِصْمَةِ إرْشادٌ لِغَيْرِ المَعْصُومِ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في الحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي.
{"ayah":"فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











