الباحث القرآني

﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾ جِيءَ لِلْإضْرابِ عَنْ إنْكارِ الحُسْبانِ إلى الإخْبارِ عَنْ حالِ الإنْسانِ الحاسِبِ بِما هو أدْخَلُ في اللَّوْمِ والتَّوْبِيخِ مِنَ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ تَعْنِيفَهُ فَإنَّهُ أشَطُّ مِن ذَلِكَ وأنّى يَرْتَدِعُ وهو يُرِيدُ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ وفِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى ﴿يَحْسَبُ﴾ مُنْسَجِمًا عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ أوْ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾ مُقَدَّرًا فِيهِ ذَلِكَ أيْ بَلْ أُرِيدُ جِيءَ بِهِ زِيادَةَ إنْكارٍ في إرادَتِهِ هَذِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها أفْظَعُ مِنَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُسْبانَ بِمُجَرَّدِهِ إرادَةُ الفُجُورِ كَما نَقُولُ في تَهْدِيدِ جَمْعٍ عاثُوا في البَلَدِ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يَدْخُلُ الأمِيرُ بَلْ يُرِيدُونَ أنْ يَتَمَلَّكُوا فِيهِ لَمْ تَقُلْ هَذِهِ إلّا وأنْتَ مُتَرَقٍّ في الإنْكارِ مُنَزِّلَ عَبَثِهِمْ مَنزِلَةَ إرادَةِ التَّمَلُّكِ وعَدَمِ العِبْءِ بِمَكانِ الأمِيرِ، وإلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أشارَ جارُ اللَّهِ عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ هَذا عَلى التَّرَقِّي والأوَّلُ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ وإيهامٌ أنَّ الأمْرَ أطَمُّ مِن ذَلِكَ وأطَمُّ، وفِيهِما إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ عالِمٌ بِوُقُوعِ الحَشْرِ ولَكِنَّهُ مُتَغابٍ واعْتَبَرَ الدَّوامَ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حالِ الفاجِرِ بِأنَّهُ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ في المُسْتَقْبَلِ عَلى أنَّ حُسْبانَهُ وإرادَتَهُ هُما عَيْنُ الفُجُورِ، وقِيلَ لِأنَّ ﴿أمامَهُ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ فَيُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ وفي إعادَةِ المَظْهَرِ ثانِيًا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ والنَّعْيِ عَلى قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ وأنَّ الإنْسانِيَّةَ تَأْبى هَذا الحُسْبانَ والإرادَةَ وعَوْدُ ضَمِيرِ ﴿أمامَهُ﴾ عَلى هَذا المَظْهَرِ هو الأظْهَرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي عَوْدَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في عُمُومِ الفُجُورِ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ في الآيَةِ إنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيَهُ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ ومُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا لِتَوْبَتِهِ وهو حَسَنٌ لا يَأْبى ذَلِكَ الإضْرابَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَفْعُولَ ﴿يُرِيدُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وقالَ بَعْضُهم وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّامِ ومَصْدَرُهُ مُقَدَّرٌ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ أيْ يُوقِعُ جَمِيعَ إرادَتِهِ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ومَن تَبِعَهُما في مِثْلِهِ أنَّ الفِعْلَ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ ولِيَفْعَلَ خَبَرٌ فالتَّقْدِيرُ هُنا بَلْ إرادَةُ الإنْسانِ كائِنَةٌ لِيُفْجُرَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب