الباحث القرآني

﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ أيْ مُنْشَقٌّ وقُرِئَ «مُتَفَرِّطٌ» أيْ مُتَشَقِّقٌ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ اليَوْمِ والباءُ لِلْآلَةِ مِثْلُها في قَوْلِكَ فَطَرْتُ العُودَ بِالقَدُومِ فانْفَطَرَ بِهِ يَعْنِي أنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ بِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِهِ كَما يَنْفَطِرُ الشَّيْءُ بِما يُفْطِرُ بِهِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ السَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِهِ الآنَ إثْقالًا يُؤَدِّي إلى انْفِطارِها لِعِظَمِهِ عَلَيْها وخَشْيَتِها مِن وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ﴾ [اَلْأعْرافِ: 187] فالكَلامُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والِانْفِطارُ كِنايَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في ثِقَلِ ذَلِكَ اليَوْمِ والمُرادُ إفادَةُ أنَّهُ الآنَ عَلى هَذا الوَصْفِ والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ لِأكْثَرِ الآياتِ وكَأنَ الظّاهِرَ السَّماءُ مُنْفَطِرَةٌ بِتَأْنِيثِ الخَبَرِ لِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ السَّماء َمُؤَنَّثَةٌ لَكِنِ اعْتُبِرَ إجْراءُ ذَلِكَ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ فَذُكِّرَ أيْ شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ بِهِ والنُّكْتَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَبَدَّلَتْ حَقِيقَتُها وزالَ عَنْها اسْمُها ورَسَمُها ولَمْ يَبْقَ مِنها ( إلّا ) (p-110)ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وأبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ وتَبِعَهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِ السَّماءِ بِالسَّقْفِ وكانَ النُّكْتَةُ فِيهِ تَذْكِيرُ مَعْنى السَّقْفِيَّةِ والإضْلالِ لِيَكُونَ أمْرُ الِانْفِطارِ أدْهَشَ وأهْوَلَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ التَّقْدِيرُ ذاتُ انْفِطارٍ كَقَوْلِهِمُ امْرَأةٌ مُرْضِعٌ أيْ ذاتُ رِضاعٍ فَجَرى عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذا مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ والشَّجَرِ الأخْضَرِ وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يَعْنِي أنَّ السَّماءَ مِن بابِ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ وأنَّ مُفْرَدَهُ سِماءَةٌ واسْمُ الجِنْسِ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ فَجاءَ مُنْفَطِرٌ عَلى التَّذْكِيرِ وقالَ الفَرّاءُ السَّماءُ يَعْنِي المِظَلَّةَ تُذَكُّرُ وتُؤَنَّثُ فَجاءَ ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ عَلى التَّذْكِيرِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءَ إلَيْهِ قُوما لِحَقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ وإنَّما تُطْلَبُ نُكْتَةُ اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ الأكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ ولَعَلَّها ظاهِرَةٌ لِمَن لَهُ أدْنى فَهْمٍ وحَمْلُ الباءِ في ﴿بِهِ﴾ عَلى الآلَةِ هو الأوْفَقُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وجَوَّزَ حَمْلَها عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ فِيهِ وعَوْدُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى اليَوْمِ هو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وقالَ مُجاهِدٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى أيْ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو عِنْدَهُ كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ فَإنَّهُ لَهُ تَعالى لِعِلْمِهِ مِنَ السِّباقِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ كَضَمِيرِ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب