الباحث القرآني

﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ إلَخِ مِن كَلامِ الجِنِّ أوْ مِمّا صَدَّقُوهُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأنَّ مِنَ المُوحى إلَيْهِ فَتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ لَيْسَ اعْتِراضًا غَيْرَ جائِزٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ يَجْرِي مَجْراهُ لِكَوْنِهِ يُؤَكِّدُ ما حَدَثَ عَنْهم في تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ أوَّلًا ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ انْتَهى. وأبُو السُّعُودِ اخْتارَ في جَمِيعِ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنّا العَطْفَ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حاتِمٍ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ آنِفًا وأنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ وجُمْلَةُ أنْ لَنْ يَبْعَثَ إلَخِ قِيلَ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنُّوا وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنَنْتُمْ ويَكُونُ السّادُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا كَما هو المُخْتارُ في أمْثالِ ذَلِكَ. ورَجَّحَ الأوَّلَ في الآيَةِ بِأنَّ ﴿ظَنُّوا﴾ هو المَقْصُودُ فِيها فَجَعْلُ المَعْمُولِ المَذْكُورِ لَهُ أحْسَنُ وأمّا ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ فَمَذْكُورٌ بِالتَّبَعِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ كَوْنَ المُخْتارِ إعْمالَ الثّانِي في بابِ التَّنازُعِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ أيْ طَلَبْنا بُلُوغَها لِاسْتِماعِ كَلامِ أهْلِها أوْ طَلَبْنا خَبَرَها واللَّمْسُ قِيلَ مُسْتَعارٌ مِنَ المَسِّ لِلطَّلَبِ كالجَسِّ يَقُولُ لَمَسَهُ والتَمَسَهُ وتَلَمَّسَهُ كَطَلَبَهُ وأطْلَبَهُ وتَطَلَّبَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هُنا لُغَوِيَّةٌ لِأنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ والسَّماعُ عَلى ظاهِرِها ﴿فَوَجَدْناها﴾ أيْ صادَفْناها وأصَبْناها فَوَجَدَ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مُلِئَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وإنْ كانَتْ وُجِدَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَرَأ الأعْرَجُ «مُلِيَتْ» بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ ﴿حَرَسًا﴾ أيْ حَرَسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ يَغْلِبُ في المُفْرَداتِ كَبَصَرٍ وقَمَرٍ ولِذا نُسِبَ إلَيْهِ فَقِيلَ حَرَسِيٌّ وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّهُ جَمْعٌ والصَّحِيحُ الأوَّلُ ولِذا وُصِفَ بِالمُفْرَدِ فَقِيلَ ﴿شَدِيدًا﴾ أيْ قَوِيًّا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ: ؎بَنَيْتُهُ بِعُصْبَةٍ مِن مالِيا أخْشى رُجَيْلًا ورَكِيبًا عادِيا ولَوْ رُوعِيَ مَعْناهُ جَمْعٌ بِأنْ يُقالَ شِدادًا إلّا أنْ يُنْظَرَ لِظاهِرِ وزْنِ فَعِيلٍ فَإنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُرادُ بِالحَرَسِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهم عَنْ قُرْبِ السَّماءِ ﴿وشُهُبًا﴾ جَمْعُ شِهابٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَرَسِ الشُّهُبَ والعَطْفُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ؎وهِنْدُ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ ودُخُولُ ( أنّا لَمَسْنا ) إلَخِ في حَيِّزِ الإيمانِ وكَذا أكْثَرُ الجُمَلِ الآتِيَةِ في غايَةِ الخَفاءِ والظّاهِرُ تَقْدِيرُ (p-87)نَحْوِ نُخْبِرُكم فِيما لا يَظْهَرُ دُخُولُهُ في ذَلِكَ أوْ تَأْوِيلُ (آمَنّا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما يَنْسَحِبُ عَلى الجَمِيعِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب