الباحث القرآني

﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ اسْتِمالَةً لَهم نَحْوَ الحَقِّ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ نَفْيٌ لِلضَّلالِ عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ التّاءَ لِلْمَرَّةِ لِأنَّ مَقامَ المُبالَغَةِ في الجَوابِ لِقَوْلِهِمُ الأحْمَقِ يَقْتَضِي ذَلِكَ والوَحْدَةُ المُسْتَفادَةُ مِنهُ بِاعْتِبارِ أقَلِّ ما يَنْطَلِقُ فَيَرْجِعُ حاصِلُ المَعْنى لَيْسَ بِي أقَلُّ قَلِيلٍ مِنَ الضَّلالِ فَضْلًا عَنِ الضَّلالِ المُبِينِ وما يَتَخايَلُ مِن أنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ أبْلَغُ فَإنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ مَعَ قَيْدِ الوَحْدَةِ قَدْ يَكُونُ بِانْتِفاءِ الوَحْدَةِ إلى الكَثْرَةِ مُضْمَحِلٌّ بِما حَقَّقَ أنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ صِفَةً مُقَيَّدَةً بَلِ اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْجُزْءِ الأقَلِّ وهو الواحِدُ المُتَحَقِّقُ مَعَ الكَثْرَةِ ودُونَها عَلى أنَّ مُلاحَظَةَ قَيْدِ الوَحْدَةِ في العامِّ في سِياقِ النَّفْيِ مَدْفُوعٌ وكَفاكَ لا رَجُلَ شاهِدًا فَإنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْواحِدِ مِنَ الجِنْسِ وبِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسامَةَ فَإذا وقَعَ عامًّا لا يُلْحَظُ ذَلِكَ ولَوْ سُلِّمَ جَوازُ أنْ يُقالَ لَيْسَ بِهِ ضَلالَةٌ واحِدَةٌ بَلْ ضَلالاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ ابْتِداءً لَكِنْ لا يَجُوزُ في مَقامِ المُقابَلَةِ كَما نَحْنُ فِيهِ قالَهُ في الكَشْفِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما أوْرَدَ عَلى الكَشّافِ في هَذا المَقامِ. وفِي المَثَلِ السّائِرِ الأسْماءُ المُفْرَدَةُ الواقِعَةُ عَلى الجِنْسِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ إحْداها تاءُ التَّأْنِيثِ مَتى أُرِيدَ النَّفْيُ كانَ اسْتِعْمالُ واحِدِها أبْلَغَ ومَتى أُرِيدَ الإثْباتُ كانَ اسْتِعْمالُها أبْلَغَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا يُظَنُّ أنَّهُ لَمّا كانَ الضَّلالُ والضَّلالَةُ مَصْدَرَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ضَلَّ يَضِلُّ ضَلالًا وضَلالَةً كانَ القَوْلانِ سَواءً لِأنَّ الضَّلالَةَ هُنا لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ (p-151)المَصْدَرِ بَلْ عَنِ المَرَّةِ والنَّفْيِ كَما عَلِمْتَ وإنَّما بالَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّفْيِ لِمُبالَغَتِهِمْ في الإثْباتِ حَيْثُ جَعَلُوهُ وحاشاهُ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالِ الواضِحِ كَوْنُهُ ضَلالًا وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ (61) اسْتِدْراكٌ عَلى ما قَبْلَهُ رافِعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِنهُ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ القَوْمَ لَمّا أثْبَتُوا لَهُ الضَّلالَ أرادُوا بِهِ تَرْكَ دِينِ الآباءِ ودَعْوى الرِّسالَةِ فَحِينَ نَفى الضَّلالَةَ تُوُهِّمَ مِنهُ أنَّهُ عَلى دِينِ آبائِهِ وتَرَكَ دَعْوى الرِّسالَةِ فَوَقَعَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ وثابِتٌ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ اسْتِدْراكًا لِذَلِكَ وقِيلَ: هو اسْتِدْراكٌ مِمّا قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الهِدايَةِ فَإنَّ رِسالَتَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِنَ الضَّلالَةِ لَكِنِّي في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهِدايَةِ وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ لَكِنَّ حَقُّها أنْ تَتَوَسَّطَ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ نَفْيًا وإثْباتًا والتَّغايُرُ هُنا حاصِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما في قَوْلِكَ جاءَنِي زَيْدٌ لَكِنَّ عَمْرًا غابَ وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إرادَةُ المُبالَغَةِ في إثْباتِ الهِدايَةِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ كَما نَفى الضَّلالَةَ كَذَلِكَ وسَلَكَ طَرِيقَ الإطْنابِ لِأنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ زِيادَةٌ عَلى الجَوابِ إذْ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ كانَ كافِيًا فِيهِ فَيَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الوارِدِ عَلى التَّخَلُّصِ إلى الدَّعْوَةِ عَلى وجْهِ التَّرْجِيعِ المَعْنَوِيِّ لِأنَّهُ بَدَأ بِالدَّعْوَةِ إلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا أرادَ إثْباتَ الرِّسالَةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ لَمّا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمُ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فانْتَهَزَ الفُرْصَةَ وأدْمَجَ مَقْصُودَهُ في الجَوابِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ حَيْثُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المُلاطَفَةِ والكَلامِ المُنْصِفِ يَعْنِي دَعُوا نِسْبَةَ الضَّلالِ إلَيَّ وانْظُرُوا ما هو أهَمُّ لَكم مِن مُتابَعَةِ ناصِحِكم وأمِينِكم ورَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ألا تَرى أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ عَقَّبَ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ إثْباتَ التَّوْحِيدِ فَفي هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ فَإذا اقْتَضى المَقامُ هَذا الإطْنابَ كانَ الِاقْتِصارُ عَلى العِبارَةِ المُوجَزَةِ تَقْصِيرًا. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ غَيْرُ الِاسْتِدْراكِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الِاسْتِدْراكَ في لَكِنَّ أنْ تَنْسِبَ لِما بَعْدَها حُكْمًا مُخالِفًا لِما قَبْلَها سَواءً تَغايَرا إثْباتًا ونَفْيًا أوْ لا وفَسَّرَهُ صاحِبُ البَسِيطِ وجَماعَةٌ بِرَفْعِ ما تُوُهِّمَ ثُبُوتُهُ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في المُغْنِي واعْتِبارُ اللّازِمِ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِدْراكِ بِالمَعْنى الثّانِي مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ لِأنَّهُ لا يَذْهَبُ وهْمُ واهِمٍ مِن نَفْيِ الضَّلالَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ المُخاطَبُ انْتِفاءَ الرِّسالَةِ أيْضًا كَما انْتَفى الضَّلالَةُ فاسْتَدْرَكَهُ بِلَكِنَّ كَما في قَوْلِكَ زِيدٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ لَكِنَّهُ طَبِيبٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى ما قَرَّرَ أوَّلًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وقِيلَ: إنَّهُ إذا انْتَفى أحَدُ المُتَقابِلَيْنِ يَسْبِقُ الوَهْمُ إلى انْتِفاءِ المُقابِلِ الآخَرِ لا إلى انْتِفاءِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعَلُّقُ لَها بِهِ ولِهَذا يُؤَوَّلُ ما وقَعَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْراكِ بِما يُقابِلُ الضَّلالَ مَثَلًا يُقالُ زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ لَكِنَّهُ قاعِدٌ ولا يُقالُ لَكِنَّهُ شارِبٌ إلّا بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِأنَّ الشّارِبَ يَكُونُ قاعِدًا وقالَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ النَّظَرُ الصّائِبُ في هَذا الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ. ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وقَوْلِهِ. ؎هُوَ البَدْرُ إلّا أنَّهُ البَحْرُ زاخِرًا ∗∗∗ سِوى أنَّهُ الضِّرْغامُ لَكِنَّهُ الوَبِلُ كَأنَّهُ قِيلَ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وعَيْبٌ سِوى أنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّوْعَ يُقالُ لَهُ عِنْدَهم تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ وهو قِسْمانِ ما يُسْتَثْنى فِيهِ مِن صِفَةِ ذَمٍّ مَنفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ مَدْحٍ لِذَلِكَ (p-152)الشَّيْءِ بِتَقْدِيرِ دُخُولِها في صِفَةِ الذَّمِّ المَنفِيَّةِ وما يَثْبُتُ فِيهِ لِشَيْءٍ صِفَةُ مَدْحٍ ويُتَعَقَّبُ ذَلِكَ بِأداةِ اسْتِثْناءٍ يَلِيها صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرى لِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ ما في الآيَةِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ إلّا أنَّهُ غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّأْوِيلِ فَتَأمَّلْ. و( مِن ) فِيها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً ما يُفِيدُهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي رَسُولٌ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب