الباحث القرآني
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿أجَلٌ﴾ أيْ وقْتٌ مُعَيَّنٌ مَضْرُوبٌ لِاسْتِئْصالِهِمْ كَما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وهَذا كَما قِيلَ وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ (p-113)مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم ورُجُوعٌ إلى الحَثِّ عَلى الِاتِّباعِ بَعْدَ الِاسْتِطْرادِ الَّذِي قالَهُ البَعْضُ.
وقَدْ رُوعِيَ نُكْتَةٌ في تَعْقِيبِهِ تَحْرِيمَ الفَواحِشِ حَيْثُ ناسَبَهُ أيْضًا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأجَلَ هُنا بِالمُدَّةِ المُعَيَّنَةِ الَّتِي أُمْهِلُوها لِنُزُولِ العَذابِ وفَسَّرَهُ آخَرُونَ بِوَقْتِ المَوْتِ وقالُوا: التَّقْدِيرُ ولِكُلِّ أحَدٍ مِن أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ وإمّا لِكُلِّ أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَ آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها وعَلى الثّانِي وهو الظّاهِرُ فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ أكْمَلِ التَّمْيِيزِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ( آجالُهم ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ واسْتَظْهَرَها ابْنُ جِنِّيٍّ وجَعَلَ الإفْرادَ لِقَصْدِ الجِنْسِيَّةِ والجِنْسُ مِن قَبِيلِ المَصْدَرِ وحُسْنُهُ الإضافَةُ إلى الجَماعَةِ والفاءُ قِيلَ: فَصِيحَةٌ وسَقَطَتْ في آيَةِ يُونُسَ لِما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ والمُرادُ مِن مَجِيءِ قُرْبِهِ أوْ تَمامِهِ أيْ إذا حانَ وقَرُبَ أوِ انْقَطَعَ وتَمَّ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ قِطْعَةً مِنَ الزَّمانِ في غايَةِ القِلَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِها السّاعَةُ في مُصْطَلَحِ المُنَجِّمِينَ المُنْقَسِمَةُ إلى ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وتُسَمّى فَلَكِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً أبَدًا ومُعْوَجَّةٍ وتُسَمّى زَمانِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ نِصْفِ سُدْسِ النَّهارِ أوِ اللَّيْلِ أبَدًا ويَسْتَعْمِلُ الأُولى أهْلُ الحِسابِ غالِبًا والثّانِيَةَ الفُقَهاءُ وأهْلُ الطَّلاسِمِ ونَحْوُهم وجُمْلَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً أبَدًا سَواءً كانَتِ السّاعَةُ مُسْتَوِيَةً أوْ مُعْوَجَّةً إلّا أنَّ كُلًّا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا يَزِيدُ عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُعْوَجَّةً أبَدًا ولِهَذا تَطُولُ وتَقْصُرُ وقَدْ تُساوِي السّاعَةَ المُسْتَوِيَةَ وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِواءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُرادُ لا يَتَأخَّرُونَ أصْلًا وصِيغَةُ الِاسْتِغْفارِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (34) أيْ ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ كَما أعْرَبَهُ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِقْدامُ عِنْدَ مَجِيئِهِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ بَلْ هو مِن بابِ الإخْبارِ بِالضَّرُورِيِّ كَقَوْلِكَ: إذا قُمْتَ فِيما يَأْتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ فِيما مَضى وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا الجَزائِيَّةِ فَلا يَتَقَيَّدُ بِالشَّرْطِ فَمَعْنى الآيَةِ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ لا يَسْتَقْدِمُونَ عَلَيْهِ وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا العَلّامَةُ السّالَكُوتِيُّ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ فائِدَةَ تَقْيِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَقَطْ بِالشَّرْطِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ وإنْ صَحَّ بَلِ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ السَّلِيمِ ما تَقَدَّمَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأجَلَ كَما يَمْتَنِعُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ بِأقْصَرِ مُدَّةٍ هي السّاعَةُ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ التَّأخُّرُ عَنْهُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا عَقْلا فَإنَّ خِلافَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وعَلِمَهُ مُحالٌ والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فِيما ذُكِرَ كالجَمْعِ بَيْنَ مَن سَوَّفَ التَّوْبَةَ إلى حُضُورِ المَوْتِ ومَن ماتَ عَلى الكُفْرِ في نَفْيِ التَّوْبَةِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الآيَةَ ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ إنَّهُ عُطِفَ عَلى الجَزاءِ بِناءً عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَسْتَأْخِرُونَ. ولا يَسْتَقْدِمُونَ ) لا يَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيرَهُ عَلى نَمَطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ﴾ وقَوْلِهِمْ: كَلَّمْتُهُ فَما رَدَّ عَلى سَوْداءَ ولا بَيْضاءَ فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ بِذِكْرِ الجَزاءِ بِدُونِ ذِكْرِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ والحَقُّ العَطْفُ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ القَيْدُ إذا جُعِلَ جُزْأً (p-114)مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يُشارِكْهُ المَعْطُوفُ فِيهِ ومَثَّلَ بِالآيَةِ وعَلَيْهِ لا مَحْذُورَ في العَطْفِ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لِعَدَمِ المُشارَكَةِ في القَيْدِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم ذَكَرُوا في هَذا البابِ أنَّهُ إذا عُطِفَ شَيْءٌ عَلى شَيْءٍ وسَبَقَهُ قَيْدٌ يُشارِكُ المَعْطُوفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ القَيْدِ لا مَحالَةَ وأمّا إذا عُطِفَ عَلى ما لَحِقَهُ قَيْدٌ فالشَّرِكَةُ مُحْتَمَلَةٌ فالعَطْفُ عَلى المُقَيَّدِ لَهُ اعْتِبارانِ الأوَّلُ أنْ يَكُونَ القَيْدُ سابِقًا في الِاعْتِبارِ والعَطْفُ لاحِقًا فِيهِ والثّانِي أنْ يَكُونَ العَطْفُ سابِقًا والقَيْدُ لاحِقًا فَعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ اشْتِراكُ المَعْطُوفَيْنِ في القَيْدِ المَذْكُورِ إذِ القَيْدُ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وعَلى الثّانِي يَجِبُ الِاشْتِراكُ إذْ هو حُكْمٌ مِن أحْكامِ الأوَّلِ يَجِبُ فِيهِ الِاشْتِراكُ وبَعْضُهم بَنى العَطْفَ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الدُّنُوُّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةً مِنهُ ولَيْسَ بِذاكَ وتَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مِن سَبْقِ السَّبْقِ في الذِّكْرِ فَلِما أنَّ المُرادَ هُنا بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ.
{"ayah":"وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلࣱۖ فَإِذَا جَاۤءَ أَجَلُهُمۡ لَا یَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةࣰ وَلَا یَسۡتَقۡدِمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











