الباحث القرآني
﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بَيانًا وتَفْصِيلًا لِذَلِكَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قِيلَ وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ ها هُنا نُكْتَةً سَرِيَّةً وهي أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ المُشَبَّهَ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ لِيُنَبِّهَ العاقِلَ عَلى أنَّ قَضاءَ الشُّؤُونِ لا يُخالِفُ القَدَرَ والعِلْمَ الأزَلِيَّ البَتَّةَ وكَما رُوعِيَ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ في المُفَسَّرِ رُوعِيَتْ في التَّفْسِيرِ وزِيدَ أُخْرى عَلَيْها وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ مَفْعُولَ ( هَدى ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ فَرِيقًا آخَرَ ما أرادَ هِدايَتَهم وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وأبْرَزَهُ في صُورَةِ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ أيْ أضَلَّ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وفِيهِ مَعَ الِاخْتِصاصِ التَّوْكِيدُ كَما قَرَّرَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ لِتَنْقَطِعَ رِيبَةُ المُخالِفِ ولا يَقُولَ إنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَهُ في ضَلالَتِهِمُ. انْتَهى.
وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى رَدِّ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ تَوَلَّوْهم بِالطّاعَةِ فِيما أمَرُوهم بِهِ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَهُ في ضَلالِهِمْ وإنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بِاخْتِيارِهِمْ وتَوْلِيَتِهِمُ الشَّياطِينَ دُونَ اللَّهِ تَعالى فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا﴾ عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ ( أنَّهم ) بِالفَتْحِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِضَلالِهِمْ وتَحْقِيقًا لَهُ وأنا والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مَعَ القائِلِ: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا يُؤَثِّرُ في المَعْلُومِ وإنَّ مَن عَلَّلَ الجَبْرَ بِهِ مُبْطِلٌ كَيْفَ والمُتَكَلِّمُونَ عَنْ آخِرِهِمْ قائِلُونَ إنَّ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ إنَّما الكَلامُ في أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَها عَلى زَعْمِ الضُّلّالِ أصْحابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ونَحْنُ مانِعُونَ لِذَلِكَ أشَدَّ المَنعِ ولا مَنعَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالِاتِّخاذِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ (p-109)لِثُبُوتِ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ ويَكْفِي هَذِهِ المَدْخَلِيَّةُ في التَّعْلِيلِ والزَّمَخْشَرِيُّ قَدَّرَ الفِعْلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ﴾ خَذَلَ ووافَقَهُ بَعْضُ النّاسِ وما فَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ هو المُخْتارُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ لِظُهُورِ المُلاءَمَةِ فِيهِ وخُلُوِّهِ عَنْ شُبْهَةِ الِاعْتِزالِ.
واخْتِيرَ تَقْدِيرُهُ مُؤَخَّرًا لِتَتَناسَقَ الجُمْلَتانِ وهُما عِنْدَ الكَثِيرِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَعُودُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ مُسْتَأْنَفَتانِ وجُوِّزَ نَصْبُ ﴿فَرِيقًا﴾ الأوَّلِ و( فَرِيقًا ) الثّانِي عَلى الحالِ والجُمْلَتانِ بَعْدَهُما صِفَتانِ لَهُما ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ( تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا ) .. إلَخْ. والمَنصُوبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إمّا بَدَلٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِأعْنِي مُقَدَّرًا ولَمْ تَلْحَقْ تاءُ التَّأْنِيثِ لِحَقَّ لِلْفَصْلِ أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عِنْدَ بَعْضٍ أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الضَّلالَةِ وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ضَلُّوا ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ (30) عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ أوِ التَّأْكِيدِ.
ولَعَلَّ الكَلامَ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والأوَّلُ لِكَوْنِهِ في مُقابَلَةِ مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى شامِلٌ لِلْمُعانِدِ والمُخْطِئِ والثّانِي مُخْتَصٌّ بِالثّانِي وهو صادِقٌ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ والباذِلِ غايَةَ الوُسْعِ فِيهِ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ الذَّمِّ عَلى الأخِيرِ وخُلُودِهِ في النّارِ ومَذْهَبُ البَعْضِ أنَّهُ مَعْذُورٌ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَن لا عَقْلَ لَهُ أصْلًا ومَن لَهُ عَقْلٌ لَمْ يُدْرِكْ بِهِ الحَقَّ بَعْدَ أنْ لَمْ يَدَعْ في القَوْسِ مَنزَعًا في طَلَبِهِ فَحَيْثُ يُعْذَرُ الأوَّلُ لِعَدَمِ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ يُعْذَرُ الثّانِي لِذَلِكَ ولا يَرَوْنَ مُجَرَّدَ المالِكِيَّةِ وإطْلاقَ التَّصَرُّفِ حَجَّةً ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ والتِزامُ أنَّ كُلَّ كافِرٍ مُعانِدٍ بَعْدَ البَعْثَةِ وظُهُورُ أمْرِ الحَقِّ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ وأنَّهُ لَيْسَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها اليَوْمَ كافِرٌ مُسْتَدِلٌّ مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا مُسْلِمٌ مُعانِدٌ أوْ مُسْلِمٌ مُسْتَدِلٌّ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وأنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُعانِدُ ومِنَ المَعْطُوفِ المُخْطِئُ والظّاهِرُ ما قُلْنا وجَعْلُ الجُمْلَةَ حالِيَّةً عَلى مَعْنى اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ في ذَلِكَ الِاتِّخاذِ لا يَخْفى ما فِيهِ
{"ayah":"فَرِیقًا هَدَىٰ وَفَرِیقًا حَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَیَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











