الباحث القرآني

﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ مِنَ القُرْآنِ عِنْدَ تَراخِي الوَحْيِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والزَّجّاجِ، أوْ بِآيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجُبّائِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ أيْ: هَلّا جَمَعْتَها ولَفَّقْتَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ افْتِراءً، أوْ هَلّا أخَذْتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَلَبٍ مِنهُ، وهو تَهَكُّمٌ مِنهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّ لِ (اجْتَبى) مَعْنَيَيْنِ: جَمَعَ وأخَذَ، ويَخْتَلِفُ المُرادُ حَسْبَ الِاخْتِلافِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى أنَّ الِاجْتِباءَ في الأصْلِ الِاسْتِخْراجُ ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الجَمْعُ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَوْضِ جابِيَةٌ لِجَمْعِهِ الماءَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ: جَبى الشَّيْءَ جَمَعَهُ مُخْتارًا. ولِذا غَلَبَ اجْتَبَيْتُهُ بِمَعْنى اخْتَرْتُهُ. وقالَ الفَرّاءُ يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وكَذا اخْتَرَعْتُهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الأحْرُفُ تَقُولُها العَرَبُ لِلْكَلامِ يَبْتَدِيهِ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ أعَدَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، ومَن جَعَلَ الأصْلَ شَيْئًا لا يُنْكِرُ الِاسْتِعْمالَ في الآخَرِ مُجارًا لا يَخْفى ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ (p-150)بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي كَلَّفُوهُ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ كَما هو الشّائِعُ في مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِنهُ تَعالى دُونَ الِاخْتِلافِ والِاقْتِراحِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى. ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ الجَلِيلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما يُوحى إلَيَّ ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ لِلْقُلُوبِ بِها تُبْصِرُ الحَقَّ وتُدْرِكُ الصَّوابَ، أوْ حُجَجٌ بَيِّنَةٌ وبَراهِينُ نَيِّرَةٌ تُغْنِي عَنْ غَيْرِها، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَدْ حَقَّقْتُ ما فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ، أوْ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ حَيْثُ أطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ البَصائِرُ مُسْتَعارَةً لِإرْشادِ القُرْآنِ الخَلْقَ إلى إدْراكِ الحَقائِقِ، وهَذا مُبْتَدَأٌ، وبَصائِرُ خَبَرُهُ، وجُمِعَ خَبَرُ المُفْرَدِ لِاشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ وسُورٍ جُعِلَ كُلٌّ مِنها بَصِيرَةً، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَصائِرَ مُفِيدَةً لِفَخامَتِها أيْ: بَصائِرُ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عُطِفَ عَلى بَصائِرَ، وتَنْوِينُهُما لِلتَّفْخِيمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِما وتَعْقِيبُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ بَصائِرَ مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وبِهِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلى الجَمِيعِ، وأمّا كَوْنُهُ هُدًى ورَحْمَةً فَمُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ هُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ والمُقْتَطِفُونَ مِن أنْوارِهِ، وهَذا مُخالِفٌ لِما يُفْهِمُهُ كَلامُ البَعْضِ مِن أنَّ الثَّلاثَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ في التَّفْسِيرِ: إنَّ البَصائِرَ لِأصْحابِ عَيْنِ اليَقِينِ والهُدى لِأرْبابِ عِلْمِ اليَقِينِ والرَّحْمَةَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الصّالِحِينَ المُقَلِّدِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ والجَمِيعَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الخازِنُ وادَّعى أنَّهُ مِنَ اللَّطائِفِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ بَلْ لا يَكادُ يُسَلَّمُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما يَظْهَرُ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ. واحْتَجَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الِاجْتِهادَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ نَظَرٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب